تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3289

مساهمون:

ص٣٢٨٩
إن هذه المتاعب تبدأ أول ما تبدأ في النفس ؛ ولأن الرسول مخاطب من اللّه فيمكنه أن يتحملها ؛ لأن الحق قد أعده لهذه المهمة ، ومثل تلك المتاعب تأتى أيضا للأتباع ، لذلك يمدهم اللّه بالمدد الذي يجعلهم يتحملونها . والحق يحفظ للرسول ذاته على الرغم من كل ما يحدث :
« وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » .
فكأن الحق يقول لرسوله : اطمئن يا محمد ؛ لأن من أرسلك هداية للناس لن يخلى بينك وبين الناس . ولن يجرؤ أحد أن ينهى حياتك . ولكني سأمكنك من الحياة إلى أن تكمل رسالتك . وإياك أن يدخل في روعك أن الناس يقدرون عليك ، صحيح أنك قد تتألم ، وقد تعاني من أعراض التعب في أثناء الدعوة ، ولكن هناك حماية إلهية لك . ونحن نعلم قدر المتاعب التي تعرض لها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . ألم تكسر رباعيته « 1 » صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة أحد ؟ ألم يشج وجهه ؟ ألم تدم أصبعه فيقول : « إن أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل اللّه ما لقيت » « 2 » . لكن قول الحق سبحانه لرسوله :
« وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ »
لم يكن المقصود هو منع الجهاد في سبيل اللّه والمعاناة في سبيل نشر الدعوة . ولكن الحق يبيّن لرسوله : إن أحدا غير قادر على أن يأخذ حياتك . ولم يمنع سبحانه المتاعب عن رسوله الكريم حتى لا يكون هناك أحد الداعين إلى اللّه لا يتحمل من الآلام أكثر مما تحمل رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولننظر ونستمع جيدا إلى ما ترويه عائشة أم المؤمنين - رضى اللّه عنها - حول هذه الآية إنّها قالت : « سهر رسول اللّه ذات ليلة وأنا إلى جنبه ، فقلت : يا رسول اللّه ما شأنك ؟ قال : ( ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ) . قالت : وبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت سلاح فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : من هذا ؟ فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك . فنام صلّى اللّه عليه وسلّم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه
هامش
( 1 ) الرّباعيّة : السن بين الشيبة والشباب . ( 2 ) رواه البيهقي في دلائل السوة