وحين يقول الحق :
« لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ »
فكلمة
« شَيْءٍ »
تقال لأدنى فرد من أي جنس ، فالقشة شئ ، وورقة الشجرة شئ ، وما يطلق عليه شئ - إذن - هو الأقل .
وقوله الحق :
« لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ »
أي إياكم أن تظنوا أنكم حين تقومون بتنفيذ جزء من تعاليم التوراة والإنجيل وتخفون الباقي وتهملونه تكونون قد أخذتم شيئا من الهداية ، لا ؛ فأنتم لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وتؤمنوا بالكتاب الذي أنزل على محمد . والمنهج ليس عرضة لأن تأخذوا منه ما يعجبكم وأن تتركوا ما لا يعجبكم .
وعندما يقال :
« لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ » .
ونعرف أن الشئ هو أقل مرتبة في الوجود ، ولذلك نقول : شئ خير من لا شئ . ويقال بالعامية : هاش خير من لاش و « هاش » هو الهالك من ثياب المنزل الممزقة ، أي أن الذي يملك ملابس ممزقة أفضل ممن لا يملك شيئا على الإطلاق .
وقوله الحق :
« لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ »
هو إيضاح لهم أنهم في المرتبة الأدنى من الكائنات لأنهم بلا منهج .
ويضيف :
« وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً »
أي أنهم لن يظلوا على درجة واحدة ثابتة من الطغيان والكفر ، بل كلما أنزل الحق إليك آية يا محمد ، وكلما نصرك اللّه في أمر ازدادوا هم طغيانا وكفرا . وكان من المفروض أن زيادة نزول الآيات لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكون إضعافا لتشددهم وترقيقا لقلوبهم ، لكنه سبحانه أراد أن تشتد شراستهم وحقدهم في أمر الاعتراف بالإسلام .
وقد حدث من خالد بن الوليد وكان فارس الجاهلية ضد الإسلام أن قال لعمرو ابن العاص : لقد استقر الأمر لمحمد . واتجه الاثنان إلى الإسلام على الرغم من أن كلا منهما يعرف قوته ومكانته بين قومه . وبعد أن رأى خالد وعمرو أن الخيبة هي نصيب الواقف ضد محمد مهما علا شأنه ، ذهبا إلى الإسلام ، وهذا هو موقف المتدبر للأمر دون حقد ولدد . أما الذي يزدحم بالمعاناة حقدا ولددا فتزيده آيات اللّه لنصرة