لقد سبق أن خلق اللّه آدم وأعطاه المنهج . وكان على آدم أن يبلغ المنهج إلى الذرية وقد فعل ، لكنّ بعضا من أجيال بني آدم غفلت عن المنهج ؛ فيبعث الحق الرسل لتذكر بالمنهج . ولا يأتي رسول إلا بعد أن يكون الفساد قد فشا وانتشر بين الناس .
وقد جعل اللّه في النفس الإنسانية نفسا لوامة ، ونفسا تأمر بالسوء ، ونفسا مطمئنة .
إن مهمة النفس اللوامة هي أن ترد على كل ما توسوس به النفس الأمارة بالسوء .
لكن إن لم تلم النفس اللوامة ، فالنفس الآمرة بالسوء تتمادى ولا يردعها رادع . أما النفس المطمئنة فهي النفس التي تطمئن إلى منهج اللّه . ومثال ذلك الإنسان الذي تلح عليه شهوته لارتكاب معصية ما فيرتكبها ، ومن بعد ذلك يندم ويلوم نفسه ، ويتوب عن المعصية ، هذا الإنسان يردع نفسه ذاتيا . لكن إن سيطرت النفس الأمارة بالسوء فلا رادع .
وماذا إذا ساد الفساد بين عموم الناس ؟ وماذا لو لم يتناهوا عن المنكر الذي يفعلونه ؟ هنا لا بد أن يرسل الحق رسولا بمعجزة جديدة ليأخذ العالم إلى منطق الرشاد ومنهج الحق .
ولا يختار الحق الرسول إلا إذا علم الرسول أنه مبلغ عن اللّه . وسبحانه في الآية التي نحن بصددها يعطى رسوله المعذرة إن بلغ قومه شيئا يسوؤهم ، فما على الرسول إلا البلاغ في قوله :
« وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » .
ونعرف أن الرسالة تقتضى :
المرسل وهو اللّه ، والمرسل إليهم وهم الخلق ، ومرسلا وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمرسل به وهو ما نزل على الرسول ليبلغه . وفي كل أمر مثل هذا نجد أن كلمة « أرسل » تتعدى إلى مفعولين ؛ المرسل : مثال ذلك أرسلت فلانا إلى فلان ، والمرسل إليه : وهو فلان . إذن فهنا مفعولان اثنان ، أولهما تعدى الفعل إليه بذاته والآخر تعدى إليه الفعل بحرف الجر .
وحرف الجر هنا هو : « إلى » . وبطبيعة الحال يعرف الرسول أنه مرسل إلى الناس من اللّه رعاية لمصالحهم ؛ فليس في أمر الرسالة شئ لصالح اللّه . وإن رأيت تعديا ب « إلى » فهو لتحديد الغاية المرسل إليها ، مثل قوله الحق :