تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3286

مساهمون:

ص٣٢٨٦
يقسم بما يشاء على ما يشاء ، أقسم بالريح والضحى والليل والملائكة ، لكنه ما حلف بحياة بشر أبدا إلا حياة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم :
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 72 ) ( سورة الحجر ) أي وحياتك يا محمد هم في سكرتهم يعمهون أي يترددون حيارى . ويقول الحق هنا مخاطبا الرسول :
« يا أَيُّهَا الرَّسُولُ » .
وما دام محمد هو الرسول الخاتم الذي جاء مصدقا لما بين أيديهم من الكتب ، فمعنى هذا أن كل خير في أي كتاب سبق القرآن موجود في القرآن وفيه أيضا زيادة مما تتطلبه مصالح الحياة المستجدة . وما دام الخطاب للرسول فهذا يعنى أنه رسول مرسل من قبل اللّه بمنهج لخلقه ليبلغه لهم :
« بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » .
وكيف يقول الحق لرسوله :
« بَلِّغْ »
وهو يعلم أن مهمة الرسول هي البلاغ ؟ لقد أراد سبحانه بذلك إخبار الناس أنه إن أبلغهم بما يكره بعضهم فهو يبلغ التزاما بأمر اللّه ، فهو لا يقول من عنده ، ذلك أن الرسول عليه البلاغ ، فإن أبلغ أحدا ما يكدره فليس له مصلحة في ذلك . ويورد سبحانه ذلك حتى إذا بلّغ الرسول حكما من الأحكام فعليهم أن يستقبلوا الحكم على أساس أنه قادم من اللّه . وسبحانه يعلم أن رسوله لا يكتم البلاغ ولكن ليجعل لرسوله العذر عند البشر ، فهو سبحانه حين يخاطبهم بشئ قد يكرهونه ، فهو بلاغ من اللّه :
« يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » .
أي أنه إن لم يفعل ولو في جزئية يسيرة من المنهج فهذا معناه أن البلاغ ناقص واللّه يريد أن يكون البلاغ كاملا بالدين المتكامل . إن التركيبة الإيمانية تقتضى أن يأتي القول بهذه الطريقة حتى ينسجم البلاغ بشكل كامل ؛ فقد نزل المنهج بكليته ، ويجب أن يطبق بكليته من أجل أن ينصلح الكون وحتى لا تفسد حركة الإنسان في الكون ، فقد أنزل سبحانه المنهج وأحكمه ليسير العالم على حسب تصميمه له دون أن يختل . ولذلك يقول الحق :
« وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » .
وبذلك يعطى الحق رسوله المناعة الكاملة . فلم يأت برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا لخير الناس .