وحين يأكل منه ساكن الجنة يكتشف أن لفاكهة الجنة طعما مختلفا . ومن طلاقة القدرة أنه بعد التحليلات التي قام بها العلماء المعمليون - جزاهم اللّه عنا خيرا - ل « حبة العنب » وجدو أن القشرة التي تغلفها لها طبيعة « البارد » و « اليابس » ، واللحم لحبة العنب طبيعته مختلفة « حار رطب » ثم البذرة « بارد يابس » ، وهذه ثلاث طبائع في الحبة الواحدة ، وهذا شئ عجيب التكوين . وكذلك « الأترجة » وهي فاكة كالنارنج تجد القشرة « حارة يابسة » ، واللحم فيها « بارد رطب » ، والسائل الذي في اللحم « بارد يابس » والبذرة « حار يابس » ، طبائع أربعة في الشئ الواحد ، كيف ؟ وبأية قدرة ؟
إن العلماء قد تعبوا حتى عرفوا تكوينها ليظهروا لنا المسالة ، وتلتفت لتجد ثمرة تأكل ظاهرها ، وباطنها بذرة ، وثمرة ثانية تأكل ما في داخلها كالجوز أو اللوز ، وتقشر القشرة وتلقيها ، والخوخة تأكل لحمها وتترك بذرتها ، وذلك لتعرف أن المسألة ليست آلية خلق بل إبداع خالق . وتجد الشئ له اللون ، واللون بلا طعم ، ثم الرائحة المميزة وكل ذلك دليل على طلاقة القدرة . وهذا هو السبب في أن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن ثمار الجنة يأتي بثمار مثلها في الدنيا ؛ لأنه لو أحضر ثمارا ليس لها مثيل في الدنيا لقال الإنسان : هذه طبيعة الثمار ، ولو وجدت في الدنيا لكان لها طعم مماثل . لكن ها هي ذي تتشابه ، وطعومها مختلفة . . إنها طلاقة القدرة .
ويقول الحق :
« انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ »
الحق سبحانه وتعالى لا يعطى الإنسان حتى يملأ بطنه فحسب لا ، ولكنه يغذى كل الملكات في النفس الإنسانية حتى ملكات الترف ، وملكات الجمال ، وملكات الحسن ، فيوضح لك قبل أن تأكل : انظر للثمر وشكله ! لتغذى عينيك بالمنظر الجميل حين ترى الثمرة طالعة وتتبعها حتى تنضج ، إنّها مراحل عجيبة تدل على أن الصانع قيّوم ، وكل يوم لها شكل مختلف وحجم مختلف ، وإن أكلتها اليوم فستجد طعمها يختلف عما إذا أكلتها بعد ذلك بيوم ، وهذا دليل على أن خالقها قيّوم عليها . ما دامت كل لحظة من اللحظات فيها شكل ، وفيها لون وفيها طعم وفيها رائحة جديدة .