كل ما خلقه اللّه ، فليس حسك هو الوسيلة الوحيدة للإدراك لأن حسك له قوانين تضبطه ، فأنت ترى ، ولكنك ترى بقانون ، بحيث إذا بعد المرئى عنك امتدادا فوق امتداد بصرك فلا تراه وكذلك أذنك تسمع ، فإن بعد الصوت أو مصدر الصوت عنك بحيث لا تصل الذبذبة إليك ، فلا تسمع ، كذلك عقلك ، قد تفهم أشياء ولا تفهم أشياء أخرى ، ثم ضرب لنا في وجودنا المادي أمثالا تقرب لنا ذلك الخلق الخفي من الجن ومن الملائكة .
لقد وجدنا العقل البشرى قد هداه اللّه الذي قدر فهدى ، إلى أن يكتشف شيئا اسمه « الميكروب » و « والميكروب » كائن حي دقيق جدا بحيث إن البصر العادي لا يدركه ، ولكنه كان موجودا ، وفعل الأفاعيل في الناس ودخل في أجسامهم دون أن يشعروا كيف دخل وعمل فيهم وفي صحتهم ما عمل من الهلاك والموت مثل أمراض الطاعون والكوليرا وغيرها ، ومع ذلك فالميكروب كان موجودا ومن جنس وجودنا ، أي هو مادة وله حياة وله فعل ، وله نفوذ في الهيكل الذي يدرك وهو الإنسان .
وهكذا رأينا أن شيئا خفيا لا يدرك ويهدد إنسانا ضخما يدرك ، فهل معنى اكتشاف الميكروب أننا أوجدناه ؟ لا ، إن وجود الميكروب شئ ، وإدراك وجوده شئ آخر ، وإذا حللنا « الميكروب » نجد أنه من مادة الإنسان ولكنه دقيق جدا حتى إن العين المجردة لا تراه ، فلما اكتشف المجهر وكبرناه عرفناه ، وهذا الكائن الحي إن كنت لا تراه ، فعدم رؤيتك له سابقا لا تعنى أنه غير موجود ، بل هو موجود ولكنك لم تدركه ، ثم اكتشفت - أيها الإنسان - آلة جعلتك تدركه ، ولنعرف أن وجود شئ لا يعنى أنك من الضروري أن تدركه ، فإذا قال اللّه لك : لي ملائكة من خلقي ، ولي جن من خلقي ، ولكنكم لا ترونهم وهم يرونكم ، نقول :
صدقت يا ربي ، لأن شيئا من جنس مادتنا كان موجودا ولا نراه ثم بعد ذلك رأيناه .
إذن فالأشياء التي نكتشفها الآن هي دليل على صدق البلاغ القرآني بما
تفسير الشعراوي — صفحة 3830
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٨٣٠