تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3822

مساهمون:

ص٣٨٢٢
حتى نما وأثمر ، لكن قد تصيبه آفة تقضى عليه ، فالأسباب وإن كانت قد عملت إلا أنها لا تضمن الانتفاع بثمرة الزرع ، ذلك لأن الأسباب لا تتمرد ، ولا تتأبى على اللّه ولا تخرج عليه ، إنها تؤدى ما يريده منها اللّه ، وقد يعطلها سبحانه . أما في قوله تعالى :
« أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً » ،
إنه سبحانه لم يقل لجعلناه ، لأنه ليس لأحد فيه عمل لذلك لم يؤكده باللام . ويقول سبحانه :
أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
( 73 ) ( سورة الواقعة ) إن كل شئ يذكره الحق يذكر معه أيضا ما ينقضه ، ذلك حتى لا يفتن الإنسان بوجود الأشياء ، وعليه أن يستقبل الأشياء مع إمكان إعدامها . وإذا ما كان الإنسان هو الذي يحرث فالحق بطلاقة قدرته قد يجعل النبات حطاما ، ومن قبل قال عن مقومات الحياة :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
( 59 ) ( سورة الواقعة ) ثم جاء سبحانه بما ينقضه فقال :
« نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ » .
أما عن النار فلم يقل - سبحانه - إنه يقضى عليها ويخمدها ويطفئها ، إنه - جل شأنه - أبقاها ليعلمنا ويذكرنا بنار الآخرة
« نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً »
أي لا بد أن نتركها أمامكم حتى لا يغيب عنكم العذاب الأخروى
« وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ »
أي ونتركها - دون نقض لها وذلك لأمر آخر هو المنفعة في لدنيا للذين ينزلون أماكن خالية قفراء أو للذين خلت بطونهم وأوعيتهم ومزاودهم من الطعام لأن النار تنفعهم وتساعدهم على إعداد طعامهم استبقاء لحياتهم :
فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ
( من الآية 99 سورة الأنعام )