كان السياق يقتضى أن يقول سبحانه : أنزل من السماء ماء « فأخرج »
لكنه هنا قال : « فأخرجنا » ؛ لأن كل شئ لا يوجد للّه فيه شبهة شريك ؛ فهو من عمله فقط ، ولا يقولن أحد إنه أنزل المطر وأخرج النبات لأن الأرض أرض اللّه المخلوقة له ، والبذور خلقها اللّه ، والإنسان يفكر بعقل خلقه اللّه وبالطاقة المخلوقة له . وأنت حين تنسب الحاجات كلها إلى صانعها الأول ، فهو إذن الذي فعل ، لكنه احترم تعبك ، وهو يوضح لك : حين قال : « فأخرجنا » أي أنا وأسبابى التي منحتها لك ، أنا خلقت الأسباب ، والأسباب عملت معك . فإذا نظرت إلى مسبب الأسباب فهو الفاعل لكل شئ . وإن نظرت إلى ظاهرية التجمع والحركة فالأسباب التي باشرها الإنسان موجودة ؛ لذلك يقول : « فأخرجنا »
وسبحانه جل وعلا قد يتكلم في بعض المواقف فيثبت للإنسان عملا لأنه قام به بأسباب اللّه الممنوحة له ، ولكنه ينفى عنه عملا آخر ليس له فيه دخل بأي صورة من الصور ؛ مثل قوله الحق :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
( 64 )
( سورة الواقعة )
سبحانه هنا ينسب لنا الحرث لأننا قمنا به ولكن بأسباب منه - سبحانه - فهو الذي أنزل لنا الحديد الذي صنعنا منه المحراث وهدانا إلى تشكيله بعد أن ألانه لنا بالنار التي خلقها لنا ، وبالطاقة التي أعطانا إياها ، أما الزراعة فليس لأحد منا فيها عمل ولذلك يقول سبحانه :
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً
( من الآية 65 سورة الواقعة )
هنا - سبحانه - أتى باللام في قوله تعالى : ( لجعلناه ) للتأكيد ؛ لأن الإنسان له في هذا الأمر عمل ، إنه حرث وتعهد ما زرعه بالرىّ والكد