وقوله الحق :
« وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » .
هو حكم عام ؛ فهل وجد من يؤديه ؟ . نعم ؛ هناك أناس منهم عرفوا ذلك وساروا إلى السبيل المستقيم ، وعن هؤلاء يقول سبحانه :
« مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ »
والمقتصد هو الذي يسير في السبيل القاصد ، وهو السبيل المستقيم إلى الغرض فلا ينحرف هنا أو هناك .
إذن قوله الحق :
« مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ » .
أي منهم أمة تسير إلى أغراضها وإلى غايتها على الطريق المستقيم . وهذه إشارة إلى أن بعضا من أهل الكتاب يفعل ذلك ، والبعض الآخر لا يفعل ، وهذا القول أشار أيضا إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يخلى وجوده وكونه من خلية خير فيه ، وقد تكون خلية الخير هذه من أضعف الناس الذين لا شوكة لهم في الدنيا ولا جاه ولا قوة . ولولا هؤلاء الناس لهدّ اللّه الأرض ومن عليها . ويوضح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الأمر بقوله :
« لولا عباد للّه ركع ، وصبية رضع ، وبهائم رتّع لصبّ عليكم العذاب صبا ثم رصّ رصّا » « 1 » .
كأننا مكرمون في هذا العالم من أجل الضعاف فينا . وكأن الحق لا يحجب الخير عن كونه ، بل يجعل في الكون ذرات استبقاء للخير . ولذلك نجد من يقول : إذا بالغ الناس في الإلحاد زاد اللّه في المد . وقد تجد بلدا كلها من الملاحدة ، وتجد فيها عبدا واحدا متبتلا لربه ، ويكون هذا الرجل هو الذي يستبقى اللّه من أجله هواء تلك البلدة وماءها . ولذلك قال سبحانه :
« مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ » .
ويقول الحق من بعد ذلك :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 67 ]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 )
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في السنن الكبرى .