والمراد بالقرية ليس قرية الريف التي نتعارف عليها اليوم ؛ لأن القرية في عرف العربي القديم هي المكان الذي يقابل العاصمة . وكانت البيئة العربية قديما بيئة « التبدّى » أي أنهم يقيمون في البادية وينتقلون من مكان إلى مكان ، ولم يكونوا متوطنين في مكان واحد . وكانت عاصمة البدو هي القرية التي تتكون من عدد صغير من البيوت . ولذلك يسمى القرآن الكريم « مكة » بأم القرى . ويضرب اللّه مثلا بالقرية الآمنة المطمئنة التي يأتيها رزقها واسعا من كل مكان ، أي أن خيرها ليس ذاتيا ولا نابعا منها ولكن يأتيها من كل مكان . وفي العصر الذي نعيشه نجد أن خير الدنيا يصب في قلب بعض القرى ، وما إن يكفر أهل القرية بأنعم اللّه فما الذي يحدث ؟
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
( من الآية 112 سورة النحل )
وهذا واقع نراه في كثير من البلاد التي أخذت نعمة اللّه فبدلتها كفرا فأحلوا قومهم دار البوار . ويرينا سبحانه القرى التي يلبسها الحق لباس الجوع والخوف . وعندما ننظر إلى قول الحق : « لباس » نرى أن الجوع له لذعة ، واللباس له شمول ويلفهم الجوع كما يلفهم الثوب ، وكذلك الخوف فتصير كل جارحة فيهم خائفة : أي أن الحق سلط عليهم الجوع فلا يجدون موادّ الاقتيات . وكذلك الخوف يأتيهم فإما أن يكون الخوف بسبب بأسهم فيما بينهم لأن عداوة بعضهم بعضا شديدة ، وإما أن يكون الخوف من عدو خارج عنهم . وهذا واقع معاصر .
وكيف يكون الكفر بنعم اللّه ؟ الكفر بنعم اللّه إما أن يكون بمعنى ستر النعمة .
واستعمالها في معاصي اللّه ، ومثله مثل الكفر باللّه أي ستر وجود اللّه ، وقد يكون الكفر بنعمة اللّه بالتكاسل عن استنباط النعمة من مظانها . وفساد العالم الآن يأتي من أناس كسالى عن استنباط نعم اللّه المطمورة في كونه ، وأناس يجدّون في استنباط نعم اللّه ويحبسونها لأنفسهم ولا يعطون منها الضعاف ، ويستخدمون النعمة في المعاصي .
إذن فقوله الحق :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 96 )
( سورة الأعراف )