تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3280

مساهمون:

ص٣٢٨٠
شهرا . وقد يصبر على الماء مدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام ، أما التنفس فلا يطيق الإنسان ألا يجد الهواء لمدة دقائق . ومن رأفة الحق بالخلق أن جعل الحيازة لهذه الأنواع المقومة لاستبقاء الحياة تترتب حسب أهميتها . لذلك نرى من يملك على إنسان آخر طعامه ويتحكم فيه ، لكن الحق يجعل في جسد الإنسان ما قد يقيته شهرا . ونرى أن الحيازة في الماء أقل من الحيازة في الطعام ؛ لذلك لم يملّكها الحق إلا نادرا ؛ ذلك أن الإنسان لا يطيق الصبر على العطش إلا لمدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام . وأما الهواء فلم يجعله الحق ملكا لأحد على الإطلاق ؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يستغنى عنه إلا بمقدار الشهيق والزفير ، ولا يستطيع الإنسان أن يدخره في حجم رئتيه ؛ لذلك لم يأمن الحق أحدا من الخلق على ملكية الهواء . وقوله الحق :
« لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ »
مقصود به أن الاستقامة في تطبيق منهج اللّه تخضع الأسباب الكونية لهم ، أما إذا ما تمرد الإنسان على منهج اللّه فقد يعطيه اللّه زهرة الحياة الدنيا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر ، فالنواميس الكونية لم تنعزل عن يد الحق . لذلك يخاطب - سبحانه - الخلق خطابا ، فإن انفعلوا للخطاب ، يسرّ لهم كل ما سخّره لهم في الكون . وإن لم ينفعلوا فهو ممسك الأسباب ويمكنه أن يخرق قوانينها ، فلا الأرض ولا الهواء ولا أي شئ خرج عن طاعة اللّه ، فإذا ما تمردت جماعة على نعم اللّه أو على اللّه فسبحانه يجعلهم نكالا لغيرهم ويقبض عنهم الأسباب . والإنسان سيد هذه الكائنات في هذا الكون ، وهو منفعل - أيضا - بقدرة ربه وقد يمرض ، وقد يموت ، وقد ينكسر ، وقد يغرق ، فإذا كان الإنسان وهو المنفعل ب « كن » من ربه فكيف حال الأشياء الأدنى منه ؟ . إنها أيضا منصاعة ب « كن » . والحق قادر أن يقول للأرض : كونى جدبا ، وهو القادر على أن يوقف المطر لأنه هو سبحانه الذي يجعل الأشياء تسير سيرا رتيبا . ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في خطابه لكل خلقه عن الأرض :
( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ) .
فإذا كان الحق قد أوحى للأرض