وقوله
أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
يدل على أن قضايا العقائد مأخوذة بالفطرة ، وإقبال النفس على الشهوات هو ما يطمس آثار هذه الفطرة ، فليس المطلوب منك أيها الإنسان إنشاء فكرة عقدية بل المطلوب منك أن تتذكر فقط ، والتذكر أمر فطرى طبيعي ؛ لأن الإنسان الخليفة في الأرض هو الذي تناسل من آدم إلى أن وصل إلينا ؛ فقد جاء آدم إلى الأرض ومعه منهج سماوي ينظم به حركة الحياة ، ولقن آدم المنهج لأولاده ، وكذلك فعل أبناء آدم مع أولادهم ، ولكن المناهج تنطمس ؛ لأن المناهج تتدخل في أهواء الناس وتثنيهم عن شهواتهم وتصدهم عن المفاسد فيعرضون عنها أو يتجاهلونها ، إذن فهي عرضة أن تنسى ، والرسالات إنما تذكر بالمنهج الأصلي الذي أخذناه عن الحق سبحانه وتعالى ، لذلك يعلنها إبراهيم :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 81 ]
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 )
يقول لهم سيدنا إبراهيم : أنا لا أخاف إلا اللّه ، ولا أخاف ما أشركتم أنتم به مما لا يضر ولا ينفع . و « كيف » هنا تأتى للتعجيب ؛ لأن المنطق أن نخاف من اللّه وحده الذي يضر وينفع . وحين تدور مجادلة تستيقظ في كل طرف ذاتية المجادل ، وهناك من يستنكفون من الحق ، ليس لأنه حق لكن لخوفهم أن ينهزموا أمام واحد مثيل لهم ، ومن يريد أن يصل إلى الحقيقة بدون استعلاء لا يعطى الحكم بما يحرك الذاتية في الخصم المجادل ؛ لذلك لم يقل سيدنا إبراهيم : أنا أم أنتم أحق بالأمن ؟ بل قال :
« فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ »
مثلما علم ربنا سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يقول :