تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3278

مساهمون:

ص٣٢٧٨
لقد أراد الحق لأهل الكتاب أن يحسنوا الإيمان أولا بصحيح التوراة وبصحيح الإنجيل حتى يكون ذلك هو المدخل الطبيعي للإيمان بالقرآن ، فهذا هو السبيل إلى تكفير السيئات بألا يدخلوا النار بل ويدخلون الجنة في الآخرة . وهم بالإيمان لا يأخذون خير الآخرة فقط بل يأخذون خير الدنيا أيضا ؛ لأن الحق لا يضن على مجتهد في الأسباب ، وهو القائل :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
( 20 ) ( سورة الشورى ) فمن بقي منهم على الكفر يأخذ من أسباب الدنيا ولكنه لا يأخذ أبدا من عطاء الآخرة :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 23 ) ( سورة الفرقان ) وبذلك يوضح الحق مصير أهل الكفر في الآخرة أولا ، ويوضح من بعد ذلك مصيرهم في عاجل الدنيا ، فإن أخذوا بالأسباب أعطاهم اللّه نتائج الأسباب ، وهو سبحانه الذي يحتفظ بطلاقة القدرة ، فقد يعطل الأسباب ويسلب الأشياء خواصها ، فالمزارع قد يأخذ بكل الأسباب من حرث للأرض وتسميد لها وانتقاء لسلالة البذور ، ولكنّ إعصارا قد يهب فيقتلع كل شئ أو فيضانا يغرق الزرع ، أو حشرة فتاكة كدودة القطن تأكل المحصول . إذن ، فالأسباب وراءها مسّبب له طلاقة القدرة ، وسبحانه هو الذي وضع القوانين الكونية ، وهو - أيضا - الذي يسلبها خواصها . فأنت أيها الإنسان سيد الكون بإرادة اللّه ومقهور في كثير من الأقضية لقهرية الجبار . صحيح أن لك بعض الاختيارات في بعض الأشياء ، ولكن هناك قهريات في أمور لا دخل لك فيها ، فالمرض قد يقتل ، والحادث المفاجئ قد يقتل ، وتلك أشياء من قهريات اللّه التي تخرج الإنسان عن الأسباب . إن الحق سبحانه يرينا أن بلادا كانت دائمة المطر ثم أصابها الجفاف ، لماذا ؟ لأن