تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3747

مساهمون:

ص٣٧٤٧
يلقوا به في النار : ألك حاجة ؟ فيقول إبراهيم : أمّا إليك فلا . ثم يأتي له الابتلاء في آخر حياته بذبح ولده . ونعلم أن الإنسان تمر عليه أطوار تكوين ذاتيته ، وأحيانا تكون الذات هي المسيطرة ، وفي طور آخر تبقى ذاتية أولاده فوق ذاتيته ، أي أنه يحب أولاده أكثر من نفسه . يتمنى أن يحقق لأولاده كل ما فاته شخصيا . فلما كبر إبراهيم ووهبه اللّه الولد يأتيه الابتلاء بأن يذبح ابنه إنه ابتلاء شديد قاس ، وهو ابتلاء لا يأتي بواسطة وحى بل بواسطة رؤيا . وكلنا نعلم أن رؤيا الأنبياء حق . لكن إبراهيم يعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يطلب من خلقه إلا أن يستسلموا لقضائه ، ولذلك إذا رأيت إنسانا طال عليه قضاء ربه في أي شئ ؛ في مرض ، في مصيبة ، في مال ، أو غير ذلك فأعلم أنه لم يرض بما وقع له ، ولو أنه رضى لانتهى القضاء . فالقضاء لا يرفع حتى يرضى به ، ولا يستطيع أحد أن يلوى يد خالقه . إذن فالناس هم الذين يطيلون على أنفسهم أمد القضاء . ولذلك عرف سيدنا إبراهيم هذه القضية : قضية فهمه لعالم الملكوت . فلما قيل له : « اذبح ابنك » لم يرد أن يمر ابنه بفترة سخط على تصرف أبيه ؛ لأنه إن أخذه من يده وفي اليد الأخرى السكين فلا بد أن تكون هذه اللحظة مشحونة بالسخط ، فيحرم من الجزاء ، فيبين له المسألة . ويقول القرآن حكاية عن إبراهيم :
يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
« من الآية 102 من سورة الصافات » وهذا القول يريد به إبراهيم أن ينال ابنه ثواب الاستسلام وهو دليل محبة إبراهيم لولده ، فماذا قال إسماعيل :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
« من الآية 102 من سورة الصافات » قال إسماعيل ذلك ليأخذ عبودية الطاعة . ويؤكد القرآن رضاء إبراهيم وابنه بالقضاء فيقول :