و « جن » تفيد الستر والتغطية ، ومنها « الجنون » أي ستر العقل ، و « جن الليل » أي أظلم وستر عنك ، فلا ترى غيرك ولا غيرك يراك . و « الجنّة » كذلك لأن فيها الأشجار والأشياء التي تستر من يمشى فيها ، إذن المادة كلها تفيد الستر .
وكلمة « كوكب » تفيد أنه يأخذ ضوءه من غيره ، ونفهم من الآية أن إبراهيم كان في ظلمة ثم طلع الكوكب فرآه ، ثم غاب الكوكب أي انتقل من بزوغ وطلوع إلى أفول ، وقديما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم ، فجاء لهم إبراهيم من جنس ما يعبدون ، وقال :
« لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » .
ويتابع الحق بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 77 ]
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 )
وهنا قال إبراهيم عليه السّلام : هذا ربى ، ووقف العلماء هنا وتساءلوا : كيف يقول إبراهيم هذا ربى ، وهي جملة خبرية من إبراهيم ، وكيف يجرى إبراهيم على نفسه لفظ الشرك ، وأراد العلماء أن يخلصوا إبراهيم من هذه المسألة ونقول لهؤلاء العلماء : جزاكم اللّه كل خير ، وكان يجب أن تؤخذ هذه المسألة من باب قصير جدا ؛ لأن الذي قال : إن إبراهيم قال : هذا ربى ، هو الذي قال في إبراهيم :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
« من الآية 124 سورة البقرة »
إذن فقوله
هذا رَبِّي
لا تخدش في وفائه الإيمانى ، ولا بد أن لها وجها . ونعلم أن القوم كانوا يعبدون الكواكب ، ويريد إبراهيم أن يلفتهم إلى فساد هذه العقيدة ، فلو أن إبراهيم من أول الأمر قال لهم : يا كذابون ، يا أهل الضلال ، وظل يوجه لهم