على الضرورة ، لأنه ليس طلبا للنقود ، فقد يطلب أحد النقود ليدخرها ، لكن من يقول : « أعطني رغيفا لآكل » فهذه آية صدق الضرورة في طلب الطعام . ولكن أهل القرية أبوا أن يضيفوهما ، إذن هم لئام لا كرام . ويرى العبد الصالح جدارا يريد أن ينقض ، وآيلا للسقوط فأقامه ، وغضب سيدنا موسى ، سبب غضبه أنه والعبد الصالح استطعما هؤلاء فلم يطعموهما ، فكيف تبنى جدارا لهم ؟ ! وكان يصح أن تأخذ عليه أجرا ، وغضب سيدنا موسى سببه ظاهر ، لكن العبد الصالح يشرح المسألة :
لقد أقام الجدار لأن أهل القرية لئام ولم يعطونا طعاما ، ولو وقع الجدار وظهر الكنز تحته أمام لئام بهذا الشكل لسرقوه من أصحابه ، وهم أطفال ، وقد بناه العبد الصالح بهندسة إيمانية ألهمه اللّه بها بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار . أي أنه بناء موقوت ، مثلما نضبط المنبه على وقت محدد ، كذلك الجدار بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار ويأخذان الكنز .
وهذا يوضح لنا الخلاف بين عالم الملك ، وبين عالم الملكوت ؛ فعالم الملكوت هو الذي يغيب عنا وراء الأسباب . وكثير من الناس يقف عند الأسباب ، ولا ينتقل من الأسباب إلى السبب المباشر ، إلى أن ينتهى إلى مسبب ليس بعده سبب .
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
( 75 )
« سورة الأنعام »
فهل تيقن أو لم يتيقن ؟ .
و « موقنين » جمع « موقن » والجمع أقله ثلاثة ، واليقين ينقسم إلى ثلاث مراحل :
يقين بعلم من تثق فيه لأنه لا يكذب ؛ ويقين بعين ما تخبر به ، ويقين بحقيقة المخبر به . وحين عرض الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة في سورة التكاثر قال :
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
( 5 )
« سورة التكاثر »