تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3742

مساهمون:

ص٣٧٤٢
العقائد السابقة أوضح له الحق : أنت مأمون على أسرار كونى ، وأعطاه الحق الكثير كما يعطى لكل من يخلص في الارتباط بخالقه يعطيه ربنا عطاءات من أسرار كونه . ويضرب الحق سبحانه لنا كثيرا من المثل في القرآن فيقول :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
« من الآية 282 من سورة البقرة » أي أنك ما دمت مأمونا على ما عرفت من أحكام الحق لحركة حياتك وتنفذه فإن الحق يعتبرك أمينا على أسراره ، ويعطيك المزيد من الزيادة . ومعنى « تتقى » أي أن تلتحم بمنهج الحق ، وإذا التحمت بالمنهج الحق كنت في الفيوضات الدائمة التي لا تنقضى من الحق ؛ لأن الذي في معيته لا بد أن يخلع الحق عليه من واردات وعطاءات صفاته ما يجلى صلته بربه ويطمئنه عليه ، ومثال ذلك ما حدث في « قصة الهجرة » ، تجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وسيدنا أبا بكر في الغار ، ويقول أبو بكر لرسول اللّه : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا ، وهذه قضية كونية مؤكدة ، ويرد عليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بما ينقله من القضية الكونية الظاهرة الواضحة إلى عالم الملكوت الخالص ، ويقول : ( يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما « 1 » . أي أنه يقول له : اطمئن ، لن يرانا أحد ؛ لأننا في معية اللّه ، وسبحانه لا تدركه الأبصار . وحين يكون الضعيف في معية القوى فقانون القوى هو الذي يتغلب ، فلا يصبح الضعيف ضعيفا ، فحين يكون هناك ولد بين الأطفال الذين في مثل سنّه ويضطهدونه ويؤلمونه ويؤذونه ، ثم يرونه في يد أبيه لا يجرؤ أحد منهم أن يأتي إلى ناحيته ، والناس لا يقدر بعضهم على بعض إلا إذا انفلتوا من معية اللّه ، ومن في معية اللّه لا يجترىء عليه أحد أبدا . ولذلك يرسل لنا ربنا قضايا الملك وقضايا الملكوت ، ويمثلها في رسول من أولى العزم من الرسل مع عبد صالح آتاه اللّه شيئا من علمه وفيضه لأنه اتقاه .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم .