يهب أو لا يهب ، والأرض في عناصرها ليست حرة في أن تكتمها أو لا تكتمها ، لكن الإنسان مميز بقدرته على أن يختار بين البدائل ؛ لذلك لا بد أن يكون صالحا للأمرين ، والخطأ إنما يأتي من أن تنقل مجال « افعل » في « لا تفعل » . أو مجال « لا تفعل » في « افعل » . والمؤمن يأخذ منطقية « افعل » في مجال « الفعل » ، ومنطقية « لا تفعل » في مجال الترك .
وحين تنظر إلى الإنسان تجد أن التكليف الإلهى يناسب التكوين البشرى . وأنت تشترك مع الجماد في أشياء ، ومع النبات في أشياء ، ومع الحيوان في أشياء ، وتتفوق على الكل بقدرة الاختيار التي منحك اللّه إياها .
ولتوضيح هذا الأمر أقول : لنفترض أن واحدا أخذك إلى مكان مرتفع ثم تركك في الجو عندئذ تسقط على الأرض ، وهكذا تجد أن قانون الجماد ينطبق عليك ؛ فليس لك إرادة أن تقول : « لا أريد أن أقع » وهكذا نرى الجمادية فيك ، وانظر إلى « النمو » الذي لا تتحكم ولا تقدر أن تقول : « سأنمو اليوم بزيادة في الطول قدرها نصف الملليمتر » بل أنت لا تعرف كيف تنمو ، وأنت لا تعرف كيف ينبض قلبك ، ولا سرّ الحركات الدودية للأمعاء ، ولا حركة المعدة ، أو عمل الكبد ، أو حركة التنفس التي بها تقوم الحياة ، وكل ذلك أمور قهرية ، ومن رحمة اللّه بنا أنها قهرية ، فلو كانت اختيارية لتحكم فيها غيرك .
إذن من رحمته بنا سبحانه أن جعلنا مقهورين في هذه المسائل ، ومسخرين فيها ، وبعد ذلك خلق لنا الاختيار في التكليف ، افعل ، ولا تفعل ، والتكليف من اللّه سبحانه وتعالى في الأفعال التي تقع من الإنسان لا في الأفعال التي تقع على الإنسان ؛ لأن الأفعال التي تقع من الإنسان هي التي فيها اختيار ويبحثها العقل أولا ، لينفذها الإنسان بعد ذلك . ولذلك لا يكلف ربنا إلا العاقل الناضج ؛ لأنه لا توجد قوة تقهره على غير ما يختار . أما المجنون فليس عليه تكليف ؛ لأنه لم يدر المسألة في رأسه قبل أن يفعل ، وكذلك من لم ينضج ؛ لأنه لم يصل إلى قوة الفهم الكامل ، وكذلك المقهور على فعل بقوة إنسان أو سلطان أقوى منه .
تفسير الشعراوي — صفحة 3724
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٧٢٤