إذن فالمادة تأتى إما للهواء إن كانت ممدودة ، وإن كانت بالقصر فهي من الهوى أو من الهوىّ ؛ كأن تقول : « هوى ، يهوى ؛ هويّا . أي سقط من علوّ إلى أسفل ، وهوى ، يهوى ، هوى . أي أحبّ ، وهكذا نعرف أن « استهوته » أي طلبت هويّه أو هواه أي ميل نفسه إلى اتباع الهوى ، وحين تستهوى الشياطين الإنسان فهي تريد أن تجتذبه إلى ناحية هواه ، وتوقظ الهوى في النفس ، وبذلك تدعوه ليهوى . والحق يقول :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
( 31 )
« سورة الحج »
وحين يخرّ عبد من السماء ، إما أن تتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ، وحين تأتى إلى الهوى والهوىّ فاعلم أن الهوى يجذبك إلى ما يضرك ، ولذلك لا تسلم منه إلا أن يكون هواك تبعا لما جاء به الحق . ولكن إن اتبعت هواك فلا بد أن يؤدى بك إلى الهوىّ :
كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ
« من الآية 71 سورة الأنعام »
وما هي الحيرة ؟ هي التردد بين أمر ومقابله . وعرفنا من قبل أن الحيرة في هذه الآية جاءت لمن اهتدى وسار خطوة للمنهج ثم ردّ على أعقابه ورجع ، ولكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى ، فهو بين شيطان يستهويه ، وأصحاب يدعونه للمنهج ؛ لذلك يكون حيران : بين هاوية ونجاة ، والشئ الذي يهوى لا استقرار له ، وحين نرى - على سبيل المثال - حجرا يهوى للأرض نجده يدور ، ولا اتجاه له . وهذه صورة معبرة ، ويأتي له القول الفصل :
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى
« من الآية 71 سورة الأنعام »
فمن يتبع إذن ؟ إنه يتبع الذين يدعونه إلى منهج الحق سبحانه وتعالى ؛ لأن الهدى