والحق قال :
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ( 1 ) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
( 2 )
« سورة الجن »
إذن فمن الجن من هو مؤمن . ومن الجن من هو عاص . والعاصي من الجن يسمى شيطانا . وإياك أن تنكر أيها المسلم وجود الشيطان لأنك لا تراه ، لأن الشيطان من المخلوقات التي ذكرها اللّه من عالم الغيب ، وحجة وجودها هو تصديقك لمن قال عنها ، وهناك فرق منطقي وفلسفي بين وجود الشئ وبين إدراك وجود الشئ . والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يوحدوا ويربطوا بين وجود شئ وإدراكه . وهناك فارق بين أن يوجد أو يدرك ؛ ذلك أن هناك ما يكون موجودا ولكنه لا يدرك .
قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ
« من الآية 71 سورة الأنعام »
جاء هذا التصور في صورة استفهام . إنّ الحق طلب من رسوله أن يقوله ، فكأن الصورة : أن قوما هداهم اللّه إلى الحق فدعوا إلى أن يعبدوا غير اللّه ويدعوا ما لا ينفع ولا يضر ، فيردوا على أعقابهم ، أي بعد الهداية ، وهذه هي صورة الحيرة والتردد ؛ لأنهم كانوا على هدى ، ثم دعوا إلى أن يعبدوا من دون اللّه ما لا ينفع ولا يضر . وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة لهذه الحيرة ، ولهذا التردد ، فقال :
« كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ » .
و « استهوته » من مادة « استفعل » وتأتى دائما للطلب ؛ كقولنا « استفهم » . أي طلب الفهم ، و « استخرج » . أي طلب الإخراج للشئ ، « فاستهوته » طلبت هويّه . أي جعلته يتقبّل ما تريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما تشاء ، وترد مادة « الهاء والواو والياء » لمعان ، إن مدّت ؛ فهي الهواء الذي نتنفسه ، وما به أصل الحياة ، وإن قصرت ؛ فإنها هي الهوى وهو ميل النفس إلى شئ ، أو تكون هويّا أي سقوطا .