الذي خلقه اللّه ، وليسعد الإنسان بتلك الأسرار التي يستكشفها في الكون .
ويؤكد لنا واقع الحياة هذه القضية ، ونجد طموح العقل البشرى عندما فكر في مادة الكون استنبط منها الأسرار وأنجز الكثير من الاكتشافات العلمية . ولم تختلف الدول والمعسكرات في تلك المجالات ، بل التقت كل الأهواء عند هذه الاكتشافات ، فلا توجد - كما قلنا - كهرباء روسية وأخرى أمريكية ، ولا نجد « كيمياء إنجليزية » وأخرى « فرنسية » ، ولذلك تجد الأنظمة السياسية والاجتماعية على اختلافها تلتقى في مجالات العلم وتتفق ولا تختلف حتى إن بعضها قد يسرق من البعض الآخر ما توصل إليه . ولا نجد في عالم المادة والمعمل والتجربة اختلافات بين نظام سياسي ونظام آخر ، بل تلتقى الأهواء عند القوانين المكتشفة والمأخوذة من مادة الكون ، وهو الأمر الذي تركه اللّه للناس ليكونوا أحرارا فيه ، يفكرون ، وينظرون ، ويتأملون ، ويبتكرون ، ويصلون إلى أسرار في الكون تخفف عنهم تبعات الحياة ، وتؤدى لهم غايات السعادة في الوجود بأقل مجهود .
ولكننا نجد الصراع العنيف على الجانب الآخر - جانب المبادئ والمنهج - وهو صراع لا يهدأ أبدا ؛ لأنه صراع الأهواء فيما لم تحكمه تجربة مادية ، وهم يختلفون خلافات عميقة ، الرأسمالية تختلف عن الاشتراكية ، وتتنوع الخلافات بين كافة المذاهب التي أنتجتها الأهواء : الشيوعية ، الوجودية ، الاشتراكية ، الرأسمالية ، وكل هذه المسائل لم تحكمها تجربة أو معمل لذلك كان الخلاف . ومن المؤسف أن البشر قد استغلوا ما اتفقوا فيه من ابتكارات علمية في فرض النظم التي اختلفوا عليها .
وقد أوضح الحق سبحانه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الأمر ؛ إنه جل وعلا قد ترك عقول البشرية حرة في كل ما يخضع للتجربة ، ولكنه نظم حياة الإنسان على الأرض في ضوء المنهج الإيمانى ؛ لأن الإسلام جاء في إثر ديانة حاول القائمون على أمرها من الكهنة أن يفرضوا سيطرة الكهنوت على العقل البشرى في أسرار الكون .
والمثال على ذلك واضح تماما في التاريخ البشري ، ففي العصر الذي تأخرت فيه أوروبا وسمى « عصر الظلمات » كان المسلمون في الشرق باتباعهم لمنهج اللّه يعيشون
تفسير الشعراوي — صفحة 3705
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٧٠٥