عض الناس وأرهقهم وأعنتهم ، وحين يعضّ الباطل المجتمعات فالذي ينتفع من ذلك هم أهل الباطل ، والذي يشقى بذلك هم أهل الحق ، فلكل فساد طبقة منتفعة به . وحين توجد الطبقة المنتفعة بالفساد . وحين توجد كلمة الحق فإن المنتفعين بالفساد ينظرون إلى نفوذهم الذي سينحسر حتما عندما تسود كلمة الحق .
وحين ينتصر الحق لا بد أن يزول الفساد ومعه كل نفوذ أهل المفاسد . لذلك يقف المنتفعون من الفساد ضد الدين الجديد ليحافظوا على مكانتهم في المجتمع .
ويقول الحق تهذيبا للمؤمنين ، وتأديبا لغير المؤمنين :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 68 ]
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 )
وبهذا القول يوضح اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : اعلم أن ما جئت به سيخاض فيه ، ويقال مرة إنه سحر ، ومرة إنه شعر ، وثالثة إنه كهانة ، ورابعة يتهمونك بالكذب ، ولا يقول ذلك إلا المنتفعون بفساد الكون ، فإذا ما جاء مصلح فسيجعلونه عدوا لهم . لذلك لا بد أن تحافظ على أمرين . . الأمر الأول : أن الذين اتبعوك - وهم ضعاف - قد لا يستطيعون مواجهة القوة الظالمة ؛ لذلك لا تحملهم ما لا طاقة لهم به ولكن تريّث ؛ فإن لكل نبأ مستقرا ، والأمر الثاني : أنك إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم وبيّن لهم الجفوة فلا تقبل عليهم ، ولا توادهم ، ولا تستمع إليهم ، ولا يسمع إليهم أصحابك ، لماذا ؟ ؛ لأنهم يخوضون في آيات اللّه . ولكن أيستمر هذا الإعراض عنهم طوال الوقت ؟ ، لا ، فالإعراض عنهم إنما يكون في أثناء خوضهم وتكذيبهم لآيات اللّه ، أما في غير ذلك من الأوقات فاعلم أن آذانهم في حاجة إلى سماع صيحة من الحق ، لذلك انتهز فرصة عدم خوضهم في دينك وفيك ، ولقّنهم ما تبشر به ، ولقّنهم كذلك ما تنذر به ؛ لأنك إن تركتهم على ضلالهم فإن قضية الإيمان تصير بعيدة عنهم ، وأنت مهمتك البلاغ ، واللّه يريد الخير لكل خلقه .
( راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور / أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر . )