فإنه عندما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة إلى المدينة ترك عليا بمكة ليسلم للناس أماناتهم . فهل هناك حمق أكثر من حمق هؤلاء الذين كذبوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أيكون أمينا معهم ولا يكون أمينا مع ربه ؟
ويقول الحق من بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 67 ]
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 67 )
والنبأ هو الخبر المهم ، فليس كل خبر نبأ ، ذلك أن هناك المثير من الأخبار التافهة التي يتساوى فيها العلم الذي لا ينفع بالجهل الذي لا يضر . ومثال على الخبر المهم هو قوله الحق :
عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( 2 ) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
( 3 )
( سورة النبأ )
إذن فلكل نبأ مستقر ، والمستقر هو ما طلب القرار فيه . والنبأ مظروف والمستقر مظروف فيه . والمظروفية تنقسم قسمين : مظروفية زمان ، ومظروفية مكان . أي أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل حدث زمانا ومكانا يقع فيهما الخبر . وسوف يعلم الإنسان مستقر كل خبر عندما يأذن الحق بميلاد هذا المستقر الذي يعلن فيه الخبر .
النبأ - إذن - هو الخبر العظيم المدهش . ولا أعظم من تجلى السماء على الأرض بمنهج جديد ينقذها مما هي فيه من ضلال ، وهو منهج عام لكل زمان ولكل مكان .
إذن هو نبأ عظيم ؛ لأنه يخلص دنيا الناس من جبابرة الأرض ، ويلفت كل الناس إلى منهج يخرجهم جميعا من أهوائهم . فلا أضر بالمجتمع من أن يتبع كل إنسان هواه ؛ لأن هوى كل نفس يخدم شهواتها ، والشهوات متضارية ، فإذا حكّم كل إنسان هواه فلن تجد في الأرض قضية متفقا عليها . ولذلك تكفل الحق سبحانه وتعالى للإنسان بمسألة تنظيم المنهج وهو الأمر الذي تختلف فيه الأهواء . وأما الأمر الذي تلتقى فيه الأهواء وهو استنباط ما في الأرض من كنوز واستكشاف ما في الكون من أسرار فقد تركه الحق للإنسان ليستنبطه بالعقل الذي خلقه اللّه ، من الكون