الماء - إذن - ينزل بأمر اللّه من السماء فتستمر به حياة النبات والحيوان والإنسان ، ويأخذ كل واد على قدر حاجته . وعندما ينزل السيل فهو يصحب معه بعضا من الشوائب التي تطفو على المياه ، ومثل تلك الشوائب يطفو - أيضا - عندما يصهر الذهب أو أي معدن ويسمى الخبث . هكذا يطفو الباطل كالزّبد ويذهب جفاء مطروحا ومرميا به بعيدا أو ينزل على جوانبه ، أما الحق الذي ينفع الناس فهو يبقى في الأرض . وتكذيب القوم للحق من اللّه وللقرآن وللمنهج الإيمانى هو البهتان ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بوكيل على المكذبين ولا يلزمهم أن يصدقوا ، فالوكيل هو اللّه الحق الذي يعاقب كل مكذّب له ، ومهمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم هي البلاغ .
« وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ » ،
وكلمة « قومك » هذه هي تقريع فظيع لهم ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء منهم ، وعرفوه صادقا أمينا مدة أربعين عاما قبل الرسالة ، وما جرّبوا عليه كذبا ، ومقتضى مكثه معهم هذا التاريخ الطويل كان يفرض عليهم أن يتساءلوا من فور بلاغهم بالرسالة : أنه لم يكذب علينا قط ونحن من الخلق ، أيكذب على الخالق ؟ . ولكن الهوى أعمى بصيرتهم ، ولذلك يقول الحق عن هذا البلاغ :
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 16 )
( سورة يونس )
أي قل لهم يا محمد : لو أراد اللّه ألا ينزل قرآنا علىّ من لدنه وألّا أبلغكم وأعلمكم به ما أنزله وما تلوته عليكم ، ولكنه أنزله وأرسلني به إليكم . وعندما يمتن اللّه على الذين أرسل إليهم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فهو يقول سبحانه :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 128 )
( سورة التوبة )
وبرغم تكبر وعناد وتكذيب المشركين من قوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .