ويكتشف الكون كل فترة من الزمن أن الفساد الذي فيه إنما هو بسبب هؤلاء الناس وبسبب مكائدهم ؛ لذلك يصيبهم الحق بالكوارث كل فترة من الزمن ؛ لأنهم يسعون في الأرض فسادا . وهذا السعي في الأرض بالفساد إنما يأخذ صورا متعددة ، مرة يأخذ شكل النظريات العلمية ، ومرة يأخذ شكل التطرف في الأنظمة السياسية من رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة ، وكل ذلك تخريب لحياة الناس . والناس حين تجرب نظاما فهي تقيس نجاحه أو فشله بمقدار ما يعود عليها من خير أو من شر .
لقد كانت روسيا - على سبيل المثال - تمد العالم بالقمح من سيبيريا . ولكنها الآن تشكو قلة الزراعة وتنتظر من يبيع لها القمح . وعلى الجانب الآخر نجد الرأسمالية الشرسة تطحن أبناء تلك البلدان في الحياة غير المسؤولية باسم الحرية . وقد شهدت ألمانيا - مثلا - قسمة عاصمتها القديمة « برلين » إلى قسمين ، ولكل قسم حياة ، وشهدت إعادة التوحيد لأرض ألمانيا بما يصاحبه من مشكلات جمة .
وقد تذهب بعض المجتمعات إلى أيدي أناس لهم شراسة أشد كالحزب الحاكم في كل دولة لا تتبع منهاجا متوازنا ، ونجد رجال هذا الحزب كهيئة تأخذ الدعوة ونقيض الدعوة حتى لا يتمرد عليهم أحد ، فعرق العامل في أيديهم ومصنع الرأسمالى في أيديهم وهم يعيشون حياة الأمراء ولا يجرؤ أحد على أن يسألهم .
ومثال ذلك أيضا نظرية الوجودية التي تدعو كل إنسان ليثبت وجوده ، وصاحبتها موجة من الانحلال اللامسئول ، ذلك أنهم لم يفهموا إثبات الوجود على أساس أنه مسؤولية العمل الصالح في الكون ، ولكن فهموا الأمر على أنه انطلاق غرائز على الرغم من أن المفترض في كل إنسان إذا أراد أن يمد يده ، فعلى يده أن تتوقف حيث يوجد أنف إنسان آخر . لكن هؤلاء الناس عاملوا الناس كأطفال ، تماما كما يأتي الأب لابنه بلعبة يلعب بها ولتكن آلة تليفون ، يقدمها الأب لابنه ليستغل طاقته قبل أن يكون مكلفا ، ولكن الأب لا يسمح للابن أن يلعب بآلة التليفون الحقيقية ، وهؤلاء الناس يأخذون الكبار إلى اللعب واللهو حتى لا يتدخل الكبار في أمور الجد .
ومثال ذلك لعبة كرة القدم ، إنهم ينفخون فيها بالبطولة وينقلون قوانين الجد إلى اللعب . وقبل المباراة بثلاث ساعات تجد قوات الأمن قد سدّت الطرق إلى الملعب
تفسير الشعراوي — صفحة 3272
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٢٧٢