تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3654

مساهمون:

ص٣٦٥٤
وهكذا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لم يضع مفاتيح الرسالة في أيدي المشركين أو غيرهم ، ليوزعوا هم الأمور ويقوموا بتدبير الأمر . بل هو سبحانه وتعالى الذي يوزع المواهب في البشر رزقا منه ليعتمد كل إنسان على الآخرين في مواهبهم التي يعجز عنها ، ويعتمد عليه الآخرون في موهبته التي يعجزون عنها . ومسألة النبوة هي اصطفاء إلهي يكبر ويسمو على كل مقامات الدنيا . ويدل السياق إذن على أن بعضا من كبار العرب طلبوا أن يطرد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعضا من المستضعفين ، فأراد اللّه أن يطمئن المستضعفين بشئ عجل لهم به في الدنيا وإن كان قد جعله لبقية المؤمنين في الآخرة . لذلك يقول الحق :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 54 ]

وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) لقد كان طلب الطرد لهؤلاء المستضعفين فيه إهاجة لكرامتهم ولمنزلتهم ولأنهم دون الأثرياء ووجهاء القوم ، فيطمئنهم الحق بالسلام منه في الدنيا فيأمر رسوله :
« فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ » .
ونفهم من السّلام أنه الخلو من الآفات النفسية والآفات الجسدية ، فكأن الحق سبحانه أراد أن يعوضهم بالسلام القادم من اللّه
« فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
ونرى كلمة : « الرحمة » تتردد كثيرا في القرآن الكريم ، فها هو ذا الحق يقول في موقع آخر :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً
( 82 ) ( سورة الإسراء ) ما الفارق إذن بين الشفاء والرحمة ؟ الرحمة : ألا يبتلى اللّه الإنسان بمرض ، إنها الوقاية ، أما الشفاء فهو أن يزيل الحق أي مرض أصاب الإنسان . وهذا هو البرء بعد العلاج .