تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3656

مساهمون:

ص٣٦٥٦
مؤمن جيدا فهو - سبحانه - واحد لا يوجد فرد ثان يشاركه في وحدانيته ، فهو واحد لا شريك له ، وهو أحد جل وعلا أي ليس له أبعاض يحتاج بعضها إلى بعض . وسبق أن أوضحنا أن هناك شيئا اسمه : « كل » وشيئا آخر اسمه : « كلى » . والكل هو المكون من أجزاء ، كل جزء منها لا يؤدى الحقيقة ، وإنما لا يؤدى الكل إلا بضميمة الأجزاء بعضها إلى بعض . ومثال ذلك الكرسي : إنه مكون من خشب ومسامير وغراء ، فلا يقال للخشب كرسي ، ولا يقال للمسامير كرسي ، ولا يقال للغراء كرسي . ولكن يقال للشئ المصنوع من كل هذه الأشياء على هيئة محددة : إنه كرسي . إذن ف « الكل » له أجزاء تجتمع لتكوّنه . والكلّى يمكن أن تطلق على الإنسان ، ولكن في الجنس البشرى هناك أفراد كثيرون له . وعلى ذلك فالحق سبحانه وتعالى ليس « كلّا » أي لا أجزاء له لأنه أحد ، وليس « كليا » لأنه لا شئ مثله ؛ فسبحانه وتعالى واحد أحد . ولهذا نفهم جميعا أن كل شئ منسوب إلى اللّه ينبغي أن يكون في إطار :
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) .
ونحن لا نفهم مراد كلمة « النفس » بالنسبة للّه كما نفهمها بالنسبة للبشر ؛ لذلك فنفس اللّه ليست كنفس البشر ؛ لأن اللّه غنى لا يحتاج إلى غيره ، وهو - سبحانه - ليس مكونا من أجزاء ، فهو سبحانه له كل الكمال والجلال في وحدانيته وأحديته وفي سائر صفاته وأفعاله . وحين يقول سبحانه :
« كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » .
قد يتساءل إنسان : وما مدلول الرحمة ؟ وتأتى الإجابة في قوله الحق :
« أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .
والحق حينما أنزل منهجا من السماء فالمنهج يضم نصوصا للتجريم كنصوص عقاب الزاني أو اللص ، وغير ذلك ، ولا يمكن أن تأتى عقوبة إلا إذا جاءت بعد تجريم ، مثال ذلك الرشوة والنميمة وكل مخالفة للمنهج ، فلا عقاب إلا بجريمة ، ولا جريمة إلّا بنص . والحق الذي خلق الخلق يعلم أن بعضا من خلقه يكون من ضعاف النفوس ، وقد تغلب إنسانا نفسه فيرتكب ذنبا أو معصية ، والمثال على ذلك قول الحق :