ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
( من الآية 52 سورة الأنعام )
وكأن الحق يوضح لرسوله : لو كان عليك من حسابهم من شئ لجاز لك أن تطردهم ، ولكن أنت يا رسول اللّه تعلم أن كلّ واحد مجزىّ بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وقد أنزل اللّه عليك القول الحق :
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » . *
إذن فلكل إنسان كتابه . قد سطر وسجّل فيه عمله ويجازى بمقتضى هذا ، ويقول الحق من بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ]
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 )
6 نحن هنا أمام « بعضين » : بعض قد استعلى أن يجتمع ببعض آخر مستضعف عند رسول أرسله اللّه . ويمتحن اللّه البعض بالفتنة ، والفتنة هي الاختبار . إن بعضا من الناس يظن أن الفتنة أمر مذموم ، لا ، إن الفتنة لا تذم لذاتها ، وإنما تذم لما تؤول إليه . فالاختبار - إذن - لا يذم لذاته ، وإنما يذم لما يؤول إليه . وتأتى الفتنة ليرى صدق اليقين الإيمانى ، وها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
( 3 )
( سورة العنكبوت )
إن الحق سبحانه يختبر مدى صدق الإنسان حين يعلن الإيمان ، إنه - سبحانه - يختبرهم بالمحن والنعم ، وقد اختبر الحق الأمم السابقة بالتكاليف والنعم والمحن ويظهر ويبرز إلى الوجود ما سبق أن علمه سبحانه أزلا ، ويميز أهل الصدق في الإيمان