تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3652

مساهمون:

ص٣٦٥٢
عن الكاذبين في الإيمان . فمن صبر على الاختبار والفتنة فقد ثبت صدقه ويقينه ، ومن لم يصبر فقد دلّ بعمله هذا على أنه كان يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ورضى ، وإن أصابه شر وفتنة انقلب على وجهه ونكص على عقبيه فخسر الدنيا والآخرة . إذن فالفتنة مجرد اختبار . والوجود الذي نراه مبنى كله على المفارقات ، وعلى هذه المفارقات نشأت حركة الحياة . ويجب الإيمان بقدر اللّه في خلقه ؛ فهذا طويل ، وذاك قصير ، هذا أبيض ، وذاك أسود ، هذا مبصر وذلك أعمى ، هذا غنى ، وذلك فقير ، هذا صحيح ، وذلك سقيم ، وذلك ليكون كل نقيض فتنة للآخر . فالمريض - على سبيل المثال - فتنة للصحيح ، والصحيح فتنة للمريض ، ويستقبل المريض قدر اللّه في نفسه ولا ينظر بحقد أو غيظ للصحيح ، ولكن له أن ينظر هل يستعلى الصحيح عليه ويستذله ، أو يقدم له المساعدة ؟ والفقير فتنة للغنى ، وهو ينظر إلى الغنى ليعرف أيحتقره ، أيجرحه ، أيستغله ؟ والغنى فتنة للفقير ، يتساءل الغنى أينظر إليه الفقير نظرة الحاسد . أم الراضي عن عطاء اللّه لغيره . وهكذا تكون الفتن . إن من البشر من هو موهوب هبة ما ، وهناك من سلب اللّه منه هذه الهبة ، وهذا العطاء وذلك السلب كلاهما فتنة ؛ لنؤمن بأن خالق الوجود نثر المواهب على الخلق ولم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب ؛ حتى يحتاج كل إنسان إلى مواهب غيره ، وليقوم التعاون بين الناس ، وينشأ الارتباط الاجتماعي . وعندما يخلق اللّه الإنسان بعاهة من العاهات فهو سبحانه يعوضه بموهبة ما . هكذا نرى أن العالم كله قد فتن اللّه بعضه ببعض ، وكذلك كانت الجماعة المؤمنة فتنة للجماعة الكافرة ، وكانت الجماعة الكافرة فتنة لرسول اللّه ، ورسول اللّه فتنة لهم . فساعة يرى رسول اللّه الكفاز وهم يجترئون عليه ويقولون :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) ( سورة الزخرف ) يعرف أن هؤلاء القوم يستكثرون عليه أن ينزل عليه هذا القرآن العظيم ، وفي