إذن ففي القرآن شفاء ورحمة ، أي وقاية وعلاج . والذي يلتزم بمنهج القرآن لا تصيبه الداءات الاجتماعية والنفسية أبدا ، والذي تغفل نفسه وتشرد منه يصاب بالداء الاجتماعي والنفسي ، فإن عاد إلى منهج القرآن فهو يشفى من أي داء . وحين يأمر سبحانه رسوله أن يقول لهؤلاء الذين أهيجوا بطلب طردهم على الرغم من إيمانهم برسالة رسول اللّه :
« سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
فهذا يعنى أن ما حدث لهم في هذا الأمر هو آخر ابتلاءاتهم ، وقد أخذوا بهذه الإهاجة سلاما دائما ، وما دام اللّه قد كتب على نفسه الرحمة فكأنه وقاهم مما يصيب به غيرهم .
وإذا سمعت قول اللّه :
« كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
فالكتابة تدل على التسجيل ، ولا أحد يوجب على اللّه شيئا لأنه خالق الكون ، وله في الكون طلاقة المشيئة ، فلا أحد يكتب عليه شيئا ليلزمه به ، ولكنه سبحانه هو الذي أوجب على نفسه الرحمة . ونأخذ كلمة « نفسه » في إطار
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ،
ذلك أن النفس عند البشر هي الجسم والدم والحركة والحياة ، ولكن ما ذا عندما تأتى كلمة « النفس » منسوبة إلى اللّه ؟ المراد - إذن - هو الذات الإلهية . وإن لم تأخذ مراد الكلمة بهذا المعنى فأنت تدخل إلى مخالفات كثيرة وقانا اللّه وإياك شرورها .
وأؤكد هذا المعنى ليستقر في ذهن كل مؤمن ، أن النفس بالنسبة للكائن الحي غيرها بالنسبة للّه ، ولا بد أن نأخذ أي شئ منسوب إلى اللّه في إطار
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ؛
لأن النفس بالنسبة للكائن الحي عبارة عن امتزاج الروح بالمادة ، والمادة مكونة من أبعاض . وإن لم تأخذ المراد من نفس اللّه على ضوء
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ،
فأنت - والعياذ باللّه - تنفى عن الحق « الأحدية » .
ونعرف أن للحق سبحانه وتعالى « وصفين » يتحدان في المادة وفي الحروف :
الأول هو « واحد » . والآخر هو « أحد » . والسطحيون في الفهم يظنون أن « واحدا » معناها « أحد » . ونقول : لا ، إن « واحدا » لها مدلول ، و « أحدا » لها مدلول آخر . فعندما نقول : « إن اللّه واحد » أي لا يوجد فرد ثان من نوعه فليس له مثيل ولا شبيه ولا نظير . وعندما نقول : « إن اللّه أحد » أي أنه لا يتكون من أبعاض يحتاج بعضها إلى البعض الآخر لتكوين الكل ؛ لأن الشئ قد يكون واحدا وليس أحدا . ولذلك نؤكد الفارق بين : « واحد » و « أحد » ، وحتى يعرفه كل