تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3653

مساهمون:

ص٣٦٥٣
هذا القول فتنة واختبار لرسول اللّه ، وهو يصبر على ذلك ويمضى إلى إتمام البلاغ عن اللّه ولا يلتفت إلى ما يقولون ، بل يأخذ هذا دليلا على قوة المعجزة الدالة على صدق رسالته . والجماعة التي استكبرت وطلبت طرد المستضعفين هم فتنة للمستضعفين ، والمستضعفون فتنة لهم ، فلو أن الإيمان قد اختمر في نفوس المستكبرين لما استكبروا أن يسبقهم الضعاف إلى الإيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . إذن فكلنا يفتن بعضنا بعضا . وكل إنسان عندما يرى موهوبا بموهبة لا توجد لديه فليعلم أنها فتنة له وعليه أن يقبلها ويرضى بها في غيره . وما عبد اللّه بشئ خيرا من أن يحترم خلق اللّه قدر اللّه في بعضهم بعضا ، ولذلك يختبرنا الحق جميعا ، فإن كنت مؤمنا باللّه فاحترم قدر اللّه في خلق اللّه حتى يجعل اللّه غيرك من الناس يحترمون قدر اللّه فيك . والحق سبحانه وتعالى يقول :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
( 53 ) ( سورة الأنعام ) ووجه الفتنة هنا أن قوما طلبوا طرد المستضعفين وقالوا كما حكى اللّه عنهم :
« أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا » ؟
كأنهم تساءلوا عن المركز الاجتماعي للمستضعفين من المؤمنين ، ويأتيهم الرد من اللّه :
« أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ » .
فسبحانه هو العليم أزلا بالبشر ، ولا يقترح عليه أحد ما يقرره . وقد سبق للذين كفروا أن قالوا :
« لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » .
وجاءهم الرد من الحق سبحانه وتعالى فقال :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
( من الآية 32 سورة الزخرف )