وها هو ذا أحد خلفاء المسلمين وقد جاءه صناديد العرب الذين أسلموا ، واستأذنوا في الدخول إليه ، فلم يأذن لهم حتى أذن لضعفاء المسلمين . فورم أنف كل واحد من هؤلاء الصناديد وقالوا :
- أيأذن لهؤلاء ويتركنا نحن ؟ لقد صرنا مسلمين . فقال قائل منهم يفهم ويفقه أمر الدين : أكلكم ورم أنفه أن يؤذن لهؤلاء قبلكم ، لقد دعوا فأجابوا ، ودعيتم فتباطأتم ، فكيف بكم إذا دعوا إلى دخول الجنة وأبطئ دخولكم .
إنّ هؤلاء الضعفاء يريدون بالطاعة وجه اللّه ، وكلمة « وجه اللّه » تدل على أن الإيمان قد أشرب في قلوبهم ، وأنهم جاءوا إلى الإيمان فرارا بدينهم من ظلم الظالمين وطغيان الطغاة الذين كانوا يريدونهم على الكفر والضلال . إنهم قد حلا لهم الإيمان ، وحلا لهم وجه اللّه ، وحلا لهم أن يؤجل لهم كل الثواب إلى الآخرة .
وحين نسمع قول الحق :
« يُرِيدُونَ وَجْهَهُ »
فهذا وصف اللّه بأنّه - جل شأنه - له وجه ، ونطبق في هذه الحالة ما نطبقه إذا سمعنا وصفا للّه ، إننا نأخذ الوصف في إطار قوله الحق :
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) .
ويطلق الوجه ويراد به الذات ، لأن الوجه هو السمة المميزة للذوات . فأنت إن قابلت أناسا قد غطوا وجوههم واستغشوا ثيابهم وستروا بها رؤوسهم فلن تستطيع التمييز بينهم .
ويقال : فلان قابل وجوه القوم . أي التقى بالكبار في القوم . والحق سبحانه وتعالى يقول :
( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) ،
ويقول الحق سبحانه :
« ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ »
وفي هذا القول حرص على كرامة المستضعفين ؛ فقد يقول قائل :
لقد استجار هؤلاء الضعفاء بالدين حتى يفروا من ظلم الظالمين وليس حبا في الدين ، فيوضح الحق : ليس هذا عملك ، وليس لك إلا أن تأخذ ظاهر أعمالهم وأن تكل سرائرهم إلى اللّه .