الآية ونهاه عما همّ به من الطرد ، لا أنه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قد أوقع ذلك وطردهم وأبعدهم ، ثم دعا بعد ذلك بالضعفاء فأتوه .
وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ذلك يجلس مع المستضعفين ، وإن أحب - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يقوم من المجلس قام ، ولكن اللّه أراده أن يكرم هؤلاء القوم المستضعفين بعد أن نهاه عن طردهم ، وأن يكرمهم سبحانه بما أهيجوا فيه ، وجاء أمر إلهي آخر بألا يقوم رسول اللّه من مجلسه مع المستضعفين حتى يقوموا هم ، فقال الحق تبارك وتعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
( 28 )
( سورة الكهف )
وعندما نزلت هذه الآية قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم » « 1 » .
وبهذا القول الكريم أراد الحق سبحانه وتعالى إكرام الضعفاء والمستضعفين .
ويقول سلمان الفارسي وخباب بن الأرتّ فينا نزلت ، فكان - رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته ، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت :
( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ )
فترك القيام عنا إلى أن نقوم فكنا نعرف ذلك ونعجله القيام . أي أنهم هم الذين كانوا يقومون أولا من مجلس رسول اللّه ، فقول الحق :
« وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ »
هذا هو قول اللّه - سبحانه - أمر به رسول اللّه ومأمور به كذلك كل إنسان من بعد رسول اللّه ، وفي هذا قمة التكريم للدائمين على ذكر اللّه من المستضعفين ؛ لأنهم أهل محبة الإيمان وهم الذين سبقوا إليه .
هامش
( 1 ) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ورواه الطبراني ، قال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح .