تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3648

مساهمون:

ص٣٦٤٨
من المستضعفين ، فقالوا : يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء الذين منّ اللّه عليهم من بيننا ؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك . وكأنهم يقولون له : إنك قد اكتفيت بهؤلاء الضعفاء وتركتنا نحن الأقوياء ولن نجلس معك إلا أن تبعد هؤلاء عنك لنجلس ، فما كان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ببديهية الإيمان إلا أن قال : ما أنا بطارد المؤمنين . إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يعرف أن هناك من أمثالهم من قالوا لغيره من الأنبياء مثل قولهم . فقد قال قوم نوح عليه السّلام له ما حكاه القرآن الكريم :
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
( 27 ) ( سورة هود ) وحاول بعض من أهل الكفر أن يعرضوا موقفا وسطا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - فقالوا : إذا نحن جئنا فأقمهم من عندك لنجلس معك فإذا قمنا من عندك فاجعلهم يجلسون . ووجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الرأي حلا وسطا يمكن أن يقرب بين وجهات النظر ، واستشار صلّى اللّه عليه وسلّم عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - فقال عمر : لو فعلت حتى ننظر ما الذي يريدون . وطالب أهل الكفر من أثرياء قريش أن يكتب لهم رسول اللّه كتابا بذلك ، وجئ بالدواة والأقلام ، وقبل الكتابة نزل قول اللّه :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
( 52 ) ( سورة الأنعام ) ورمى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالصحيفة التي جئ بها ليكتبوا عليها كلاما يفصل بين جلوس سادة قريش إلى مجلس رسول اللّه وجلوس الضعفاء أتباع رسول اللّه . والنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - إنما مال إلى ذلك من الكتابة طمعا في إسلام هؤلاء المشركين وإسلام قومهم بإسلامهم رحمة بهم وشفقة عليهم ، ورأى - صلّى اللّه عليه وسلم - أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئا ولا ينقص لهم قدرا فمال إليه فأنزل اللّه