تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3647

مساهمون:

ص٣٦٤٧
وقد يظن بعض الناس أن عتاب اللّه لنبيه لتقصير ، ونرد على هؤلاء : ليفهم الإنسان منكم هذا اللون من العتاب على وجهه الحقيقي ، فهناك فرق بين عتاب لمصلحة المعاتب ، وعتاب للومه وتوبيخه ؛ لأن المعاتب خالف وعصى ، ونضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - أنت في يومك العادي إن نظرت إلى ابنك فوجدته يلعب ولا يذهب إلى المدرسة ولا يستذكر دروسه ، فأنت تعاتبه وتؤنبه لأنه خالف المطلوب منه ، ولكنك إن وجدت ابنك يضع كل طاقته ويصرف ويقضى أوقات راحته في المذاكرة ، فأنت تطلب منه ألّا يكلف نفسه كل هذا العناء ، وتخطف منه الكتاب وتقول له : اذهب لتستريح . أنت في هذه الحالة تلومه لمصلحته هو ، فكأن اللوم والعتاب له لا عليه . إذن قد حلّ هذا الإشكال الذي يقولون فيه : إن اللّه كثيرا ما عاتب رسوله ، ونوضح أن الحق قد عاتب الرسول له لا عليه ؛ لأن الرسول وجد طريق الإيمان برسالته يسير سيرا سهلا بين الضعفاء ، ولكنه شغل نفسه وأجهدها رجاء أن يتذوق المستكبرون المتجبرون حلاوة الإيمان ، وجاء في ذلك قول الحق :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى
( 7 ) إذن فالعتاب هنا لصالح من ؟ إنه عتاب لصالح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحين يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 1 ) ( سورة التحريم ) إن الآية تشير إلى أمر أغضب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فامتنع عن بعض ما ترغب فيه النفس البشرية من أمور حللها اللّه . والعتاب هنا أيضا لصالح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولشدة حرصه صلّى اللّه عليه وسلّم على هداية القوم أجمعين ، كان يحب أن يعامل الطغاة بشئ من اللين ليتألف قلوبهم . ولكن الطغاة لا يريدون أن يتساووا مع المستضعفين ، فقد مرّ الملأ من قريش ووجدوا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبّاب بن الأرتّ وصهيبا وبلالا وعمارا وسلمان الفارسي وهم
تفسير الشعراوي — صفحة 3647 | محمد متولي الشعراوي