تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3644

مساهمون:

ص٣٦٤٤
فكذلك المنهج هو الذي يبين للإنسان ألا يصطدم بالعقبات في الأمور المعنوية . والإنسان يحيا بقيمه ، بدليل أن الأعمى قد يجد من يقوده من المبصرين ، ولكنه قد لا يجد هدايته في هداية مهتد . إذن فالإنسان قد يستغنى عن البصر ، ولكنه لا غنى له عن الهدى ؛ لأن الضلال سيصيبه ، والضلال في القيم أبلغ وأشد قسوة من الضلال في الأمور المحسّة .
« قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ »
هناك تفكر ، وتذكر ، وتدبر . التفكر هو شغل العقل ابتداء بأمر ظاهر ، يريد أن يستنبط منه شيئا . وعندما يقول إنسان لآخر : فكر في هذا الأمر . . أي أدر عقلك في كل ما يتعرض لهذا الأمر . والذي يطلب من آخر التفكير في هذا الأمر كأنه واثق من أن الذي يتفكر في أمر لن يصل إلا إلى الرأي الذي قاله من عرض عليه التفكر . وأما التذكر فهو أن يصل الإنسان إلى حكم انتهى إليه بالتفكر ثم نسيه ، ويأتي من يلفت الذهن إلى ذلك الحكم الذي انتهى منه فكريا . إذن فالفكر يأتي بحكم أولىّ ناضج . والتذكر يأتي بحكم كان معلوما للإنسان ولكنه غفل عنه . أما التدبر فهو ألا يكتفى الإنسان بالنظر إلى واجهة الأمور ولكن إلى ما وراء ذلك أيضا ؛ لأن كل شئ له واجهة ، وقد تخفى الواجهة ما خلفها ، لذلك يطلب الحق من الإنسان أن ينظر إلى أعقاب الأشياء وأقفائها ، أي يدير الأمر على كل جهاته ولا يكتفى بالنظر إلى واجهاتها ، مثلما يشترى الإنسان شيئا من تاجر أمين ، ويعرض التاجر على المشترى مواصفات الشئ بأمانة ويطلب منه أن يختبر الشئ حسب مواصفاته ، لكن التاجر الغشاش يحاول أن يخفى المواصفات لأنه يريد خداع المشترى . وعندما يطلب الحق منا أن التفكر والتذكر والتدبر إنما يوقظ فينا المقاييس الحقيقية التي نصل بها إلى المطلوب الذي يريده اللّه . ولذلك يقول الحق :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 51 ]

وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 )