تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3642

مساهمون:

ص٣٦٤٢
منه هو معرفة للغيب ، فقد يكون هذا غيبا بالنسبة لصاحب الشئ الضائع ، ولكنه ليس غيبا بالنسبة للص الذي سرقه ، ولا هو غيب بالنسبة للشخص الذي أخفى المسروقات ، ولا هو غيب بالنسبة للجان المحيطين باللص ، إذن فهذا ليس غيبا مطلقا ، ولكنه غيب معلوم للغير . إذن فخزائن الحق سبحانه وتعالى ملأى بكل أنواع الخير التي تؤدى للإنسان مهمة البقاء في الأرض سواء من جهة الضرورات أو الأشياء الترفية .
وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
( من الآية 50 سورة الأنعام ) إذن فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ينفى عن نفسه بقول الحق ثلاثة أشياء : منها شيئان ينفيان الألوهية عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي ملكية خزائن الكون ، وعلم الغيب ، وشئ ثالث وهو أنه ليس ملكا ، فهل يعنى ذلك أن الملك أرفع من النبي ؟ لا ، ولكنهم قالوا له : إنه يمشى في الأسواق ويتكسب العيش بالعمل ، والملك لا يفعل ذلك . ولكن الرسول بالطبع أرقى منزلة من الملك ؛ لأنه يقوم بهداية الإنس والجن ويتبع ما يوحيه إليه ملك الملوك ، وهو الحق سبحانه وتعالى :
« إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ » .
إنه من فرط ارتفاعه في الصدق المبلغ عن اللّه يعلن حقيقته صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه من البشر ، والبشر ابن أغيار ، ويعلم شيئا ، ويجهل شيئا ، ومن مصلحة المرسل إليهم أن يكون الرسول متبعا لا مبتدعا ، ذلك أنه ينقل لهم تكاليف الخالق بألفاظها لا أفكار البشر التي قد تتغير أو تتبدل . فلو ابتدع لابتدع في إطار بشريته ، وفي ذلك نزول لا ارتقاء ، لكنه في الاتباع يأتي بالارتقاء للبشر ؛ لأنه يتبع ما أوحى به الإله الذي اصطفاه رسولا . ولذلك كانت الأمية في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شرفا له ولنا . أما أمّيّة الإنسان العادي فهي عيب ، إنما أمّيّة محمد صلّى اللّه عليه وسلم هي الكمال . و « أمّىّ » - كما نعلم - تعنى أنه كما ولدته أمه ، لم يأخذ ثقافة ولم يتعلم من أحد من البشر ، لكن علمه وثقافته فوقية كلها . إن ذلك وحى من اللّه ، وهو صلّى اللّه عليه وسلم عندما يعلن أنه نبي أمي ، فهذا معناه أن كل ما دخل في ذهنه لم يأخذه عن أحد من خلق اللّه ، وإنما كل ما جاء إلى هذا الذهن قد أخذه رسول اللّه عن اللّه .