تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3641

مساهمون:

ص٣٦٤١
إلا الرسول الذي يرتضيه اللّه ليخبره ببعض من الغيب ، ويحفظ الحق رسوله في أثناء ذلك بملائكة حفظة تحميه من تعرض الجن لما يريد اطلاعه عليه لئلا يسترقوه ويهمسوا به إلى الكهنة قبل أن يبلغه الرسول وحتى يصل الوحي إلى الناس خالصا من تخليط الجن وعبثهم . إذن فالرسول معلّم غيب وليس عالم غيب . والغيب - كما نعلم - هو ما غاب عن الحس ، ولم توجد له مقدمات تدل عليه ، فهناك أشياء تغيب عنك ولكن لها مقدمات ، فإن التزمت بالمقدمات من بدايتها يمكنك أن تصل إلى النتيجة . مثال ذلك : إن أعطيت تلميذا مسألة حسابية ليقوم بحلها ، وعندما يحل التلميذ هذه المسألة فهو لم يعلم الغيب ، ولكنه أخذ المقدمات والمعطيات ، وبحث عن المطلوب ، وأخذ يرتب المعلومات ليستنبط منها النتيجة . وكذلك حال الذين اكتشفوا أسرارا في الوجود ، أعلموا غيبا ؟ لا ، إنهم فقط استخدموا بعضا من المقدمات التي كانت موجودة أمامهم في الكون ، وتوصلوا إلى نتائج جديدة ، صحيح أن هذه النتائج كانت غائبة عنا ، ولكن مقدماتها كانت موجودة ، وكذلك كل النظريات الهندسية ، كل نظرية نجدها تعتمد على سابقتها ، وكل نظرية - حتى اعقدها وأصعبها - هي ملاحظة لأمر بدهى في الكون . وكل علم من العلوم له مقدمات إن بحث فيها باحث فإنه يصل إلى النتائج الجديدة ، وهذا ما نسميه « غيبا إضافيا » ، أي كان غيبا في وقت ما لكنه غير غيب في وقت آخر ، ولذلك ينسب هذا العلم إلى البشر دائما ، ولنقرأ قول الحق سبحانه :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
( من الآية 255 سورة البقرة ) والإحاطة بالعلم كلها للّه ، وهو سبحانه الذي يأذن لبعض من خلقه بالإحاطة ببعض من هذا العلم ، وكل سر من أسرار هذا الكون لا يولد إلا بإذن منه سبحانه وتعالى ، وهو سبحانه يوفق العلماء أن يبحثوا في المقدمات ليصلوا إلى النتائج . ولكن ماذا عن العلم الذي لا توجد له مقدمات ؟ هذا من الغيب المطلق الذي لا يظهره الحق لأحد إلا لمن ارتضى من رسول . أقول ذلك حتى لا يخطئ أحدنا فيظن أن إخبار إنسان لإنسان بمصير شئ ضاع