تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3636

مساهمون:

ص٣٦٣٦
إذن فالحق جاء بالقضية الكلية ، وهي أن أسرار اللّه ونفائسه في الكون هي بيد اللّه في خزائنه ، وهو سبحانه يجليها ويظهرها ويكشفها لوقتها . كيف ؟ إن الحق سبحانه وتعالى تكلم عن بدء الخلق ، وتكلم عن خلق السماوات والأرض ، وتكلم عن هذا الموضوع كلاما مجملا تفسره الآيات الأخرى . فالحق سبحانه وتعالى يقول :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
( 11 ) ( سورة فصلت ) يأمر الحق رسوله أن يبلغ هؤلاء المشركين كيف يكفرون باللّه الذي خلق الأرض في يومين وكيف يجعلون له شركاء وهو الخالق للأرض التي هي مناط الحركة لابن آدم . لقد خلق فيها سبحانه ما يقيت ابن آدم وتقوم به حياته إلى أن تقوم الساعة . والقوت - كما نعلم - هو الذي يبقى للإنسان حياته وإن أراد الترف فلا بد له من الطموح في الحياة . وهو سبحانه جعل في الأرض رواسي - أي جبالا - وبارك في الأرض وفي الرواسي . ثم جاء بتقدير الأقوات بعد ذكر الرواسي وهي الجبال ، فكأن الجبال في حقيقة أمرها هي مخازن القوت . وقد يقول قائل : كيف ذلك ؟ ونقول : إن الواقع قد أثبت هذه الحقيقة ؛ فأنت إن نظرت إلى الأنهار التي تجرى ، لوجدتها تتكون من الماء الذي تساقط من الأمطار على الجبال ، فالمياه المكونة من ذرات صغيرة دقيقة تنزل على هذه الجبال لتفتتها ، وكأن المياه هي « المبرد » الذي يزيل من سطح الجبال هذه الرمال المليئة بالعناصر الغذائية للأرض ، وهو ما نسميه نحن « الغرين » ، والغرين - كما نعلم - هو ما ينزل مع المياه من سطوح الجبال إلى مجرى النهر ، وباندفاع المياه في مجرى النهر تنتقل المادة الخصبة إلى الأرض ، وتتكون تلك الطبقة الخصبة التي تتغذى منها النباتات . ولو شاء الحق سبحانه وتعالى لجعل سطح الأرض كله مستويا ، وفيه الخصوبة التي تنبت النبات . لكن حكمته سبحانه شاءت أن تصنع للنبات غذاءه بهذه الطريقة . فأنت إذا
تفسير الشعراوي — صفحة 3636 | محمد متولي الشعراوي