ما نظرت إلى النبات وجدته يختلف من نوع إلى نوع في أسلوب امتصاصه للعناصر الغذائية اللازمة له ، فهناك نوع من النبات يمتص غذاءه من عمق نصف المتر ، ونوع ثان يأخذ غذاءه من عمق المتر ، وهكذا . وإن لم نأت للأرض المزروعة بسماد أو مخصبات أو غرين ، فإن الأرض تضعف ؛ لأن الحق يريد لعملية الزراعة أن تستمر وتمتد وتتوالى ، فجعل الجبال مكونة بشكل صلب ، وتمر على الجبال عوامل التعرية من حرارة وبرودة وتشققات ثم ينزل عليها المطر فيذيب من سطوح الجبال بعضا من تلك المواد الغذائية اللازمة للأرض ، تنتقل هذه المواد الغذائية عبر المياه إلى الأرض ، وبهذا يتوالى الإمداد بالخصب من الجبال إلى الأرض . وهكذا نجد أن الجبال في حقيقتها هي مخازن لخيرات اللّه .
وهل مقومات الحياة زرع فقط ؟ لا ؛ لأنك إن نظرت إلى نموذج مصغر للكرة الأرضية ، ستجده يشبه البطيخة الكبيرة ، وإن جئت لتقطع مثلثا من محيط القشرة إلى مركز البطيخة ، وجعلت هذا المثلث يشبه الهرم ، ثم أخذت منها مثلثا اخر من أي ناحية سواء أكان من ناحية الأرض الخصبة ، أم من البحار أم من الجبال أم من الوديان ، أم من الصحارى ، ثم نظرت من بعد كل ذلك إلى الخير المطمور في كل جزء من هذه الأجزاء لوجدته مساويا للجزء الآخر . لماذا ؟ لأن الحياة لا تعتمد على ألوان محصورة من القوت ، ولكنها تحتاج في عمارتها إلى أدوات ومواد الحضارة من حديد وبترول ومنجنيز وغير ذلك من كنوز الأرض التي تقوم عليها الحضارة .
إننا نجد هذه الخيرات مكنوزة إما في الجبال وإما في الصحارى . ولكن كل خير من هذه الخيرات له ميعاد ، وله ميلاد . وأنت لو قست ووزنت الخيرات الموجودة في أي مثلث هرمى من الأرض من مركزها إلى محيطها ، وقارنتها بوزن قياس الخيرات الموجودة في مثلث هرمى آخر مساو له من الكرة الأرضية نفسها ، لوجدت الخيرات متساوية في كل من المثلثين . ولكن لكل لون من هذه الخيرات ميلاد وميعاد .
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
( 21 )
( سورة الحجر )
فما يقال له شئ ، فإن له خزانة عند اللّه ينزل منها سبحانه بقدر . ونرى ذلك من قمة الوجود ، وهو العقل ، إن العقل شئ ، وله خزائن عند اللّه ، فما كان موجودا من أفكار من عشرة قرون لدى البشرية جميعا لا يقاس بكمية الأفكار التي يمتلكها .