تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3638

مساهمون:

ص٣٦٣٨
العقل الجمعي للعالم الآن ، ذلك أن كل جيل قد استفاد مقدمات من أفكار الجيل السابق له ليصل إلى نتاج جديد . إذن فهناك خزائن للأفكار وللخواطر . وكذلك كل شئ في الوجود له عند اللّه خزائن لا ينزل منها إلا بقدر معلوم :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » .
وساعة يريد الحق أن يظهر ميلاد سر ما ، فهو سبحانه يهيئ الأسباب لذلك . وعلى سبيل المثال - وللّه المثل الأعلى - كنا قديما نقطع الأخشاب من الأشجار لنصنع منها وقودا ، وكنا بعد أن نقطع الأخشاب نخشى عليها من الفساد ، لذلك وضع الحق بعضا من إلهاماته للعقل البشرى حتى يستطيع تحويل الخشب إلى فحم ليضمن الإنسان صيانة الخشب ، وليضمن وجود مصدر للطاقة هو الفحم النباتى . ومن بعد ذلك اكتشف الإنسان الفحم الحجري . ومن بعد ذلك اكتشفنا البترول ، كل ذلك من خيرات الطاقة كان مكنوزا في الأرض ، ولم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن أعطاهم اللّه الاستعداد لاستقبال هذا الخير ، وسيظل عطاء اللّه قائما إلى أن تقوم الساعة . فمع الفحم دخلنا عصر البخار ، ثم دخلنا عصر الكهرباء ، ثم دخلنا عصر الذرة . وكل هذه الأشياء كان لكل منها ميلاد ، ولكل منها مكان في خزائن اللّه ، وعندما ينزل اللّه أي خاطر من الخواطر على عبد من عباده فإن العبد يأخذ بالأسباب ويكتشف ميلاد السر المكنوز . وكل لاحق يأخذ من خير السابق ويبنى عليه ، وهكذا ينمو الخير دائما . والأشياء في خزائن اللّه إما أن تكون مطمورة وإما أن تكون محكمة إحكاما رقميا ، وعلى سبيل المثال ، هذا هو الراديوم الذي اكتشفته « السيدة كورى » ، أظهره اللّه على يديها في وقت الحاجة إليه . وكان العلماء قبل اكتشاف الراديوم يعلمون أن هناك عنصرا لم يعرفوه له تركيب ذرى معين ؛ لأن عناصر الكون مصنوعة بحكمة جليلة كبيرة . وقد ينزل الشئ شائعا في غيره ، ومثال ذلك أن تقطف وردة وتستمتع بأريجها وجمال منظرها إلى أن تذبل ، وقد يغيب عنك أن الوردة مكونة من تركيب معين ، فالرطوبة هي التي تعطى الوردة نضارة ، وكل شئ في الوردة هو من مادة الأرض ، وعندما تذبل الوردة فهي تعود إلى عناصر الأرض بعد أن تتبخر منها المياه وتذهب كبخار مع غيرها من المتبخرات إلى السحاب الذي تحركه الرياح فيسقط مطرا .