بهذا لأن مهمتك أضخم من كل الرسل . ونلحظ أن الحق سبحانه يحذف هنا جواب « إن » فهو يقول :
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ
( من الآية 35 سورة الأنعام )
ولم يقل الحق : فافعل ذلك ، كأن المسألة هي تهدئة للرسول ؛ لأن الجواب في مثل هذه الحالة معلوم ؛ فالرسول لا يجبر أحدا على الإيمان . وإعراض هؤلاء القوم أمر مقصود لواجب الوجود حتى يختبرهم ولو أراد قهرهم لفعل ، فلا أحد يتأبى على اللّه ، فالكون كله مطيع للّه ، الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والهواء ، والماء ، والجبال ، والأرض ، وكل ما في الكون مطيع للّه بما في ذلك الحيوان المسخر لخدمة الإنسان . ولكنه - سبحانه - أعطى الاختيار للإنسان ليأتي إلى اللّه محبا .
ونعلم أن الحق قد ترك بعضا من المسخرات غير مذللة ليثبت للإنسان إنه لم يذلل الأشياء بحيلته ، ولكنه - جل شأنه - هو الذي خلقها وذللها له ؛ لذلك نرى الجمل الضخم يجره طفل صغير ، ونرى أي رجل مهما تكن قوته يأخذ الحذر والاحتياط من ثعبان صغير .
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ
( 72 )
( سورة يس )
ولو لم يذللها اللّه فلن يستطيع أحد أن يقترب منها . وأضرب هذا المثل دائما ، عندما قال قائل : لماذا خلق اللّه الذباب ؟ فقال رجل من أهل الإشراق : ليذل به الجبابرة ؛ فسلطانهم لا يمتد إلى هذه الحشرات . لقد أعطى الحق الإنسان عزّة السيادة ، وعلمه أيضا أن يتواضع للخالق .
ويبلغ الحق سبحانه وتعالى رسوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ
( من الآية 35 سورة الأنعام )