تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3603

مساهمون:

ص٣٦٠٣
أي أنه سبحانه لو شاء لجعل الناس كلهم مؤمنين . وقد يقول قائل : كيف يخاطب اللّه رسوله فيقول له :
« فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ » ؟
ونقول : إن الحق حين يقول لرسوله ذلك فهو يقولها لا من مظنة أن يفعلها الرسول ؛ فالرسول معصوم من الجهل ، ولكن هو قول فيه تنزيه للرسول عن أن يكون في مثل هذا الصنف من الجاهلين . ويقول الحق بعد ذلك :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 36 ]

إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) و « يستجيب » معناها أنهم يطيعون أمر الآمر ونهى الناهى . وهناك فارق بين « الاستجابة » و « الإجابة » ؛ ف « الاستجابة » هي : أن يجيبك من طلبت منه إلى ما طلبت ويحققه لك ، و « الإجابة » هي : أن يجيبك من سألت ولو بالرفض لما تقول ، وقد يكون الجواب ضد مطلوب ما سألت . ويقول الحق :
« إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ »
أي أن الذين يستجيبون لنداء الحق هم الذين يسمعون بآذانهم وقلوبهم مصدقة ؛ لأن هناك فارقا بين سماع ظاهره سماع وباطنه انصراف ، وبين سماع ظاهره طاعة وباطنه محبة لهذه الطاعة . ونعلم أن استقبال المسموع شئ ، وانفعال الإنسان بالمسموع شئ آخر . وعندما يتحد حسن الاستماع مع انفعال الحب لتنفيذ ما سمعه الإنسان فهذا ما يطلبه الإيمان . والمؤمنون هم الذين يستمعون لكلمات اللّه بانفعال الحب ، وهم يختلفون عن هؤلاء الذين يسمعون الكلام من أذن ويخرجونه من الأذن الأخرى ، ويتركون الكلمات بلا تطبيق ، ولا يبقى في النفس الواعية من آثار الكلام شئ . وهكذا نرى أن اللّه قد صنع وخلق في الإنسان من الحواس ما تهديه وترشده إلى الإيمان أو إلى الكفر ؛ فالأذن عند المؤمن تسمع ، والقلب يصدق ، والعقل يمحص ويؤمن . أما الكافر فأذنه تسمع وقلبه يعارض ، وعقله يبحث في أسباب الكفر رغبة