ولكنهم لم يعترفوا بالقرآن كآية معجزة ؛ لأنهم عرفوا أن الرسل السابقين قد نزل كل منهم بآية معجزة منفصلة عن المنهج الذي جاء به ، فموسى عليه السّلام معجزته العصا ، ويده التي أخرجها من جيبه فكانت بيضاء من غير سوء ، وشق البحر ، ومنهجه التوراة ، وعيسى عليه السّلام كانت معجزته التكلم في المهد بإذن اللّه ، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه ، وجاء بالإنجيل مكملا بالروحانيات تلك الماديات التي ملأت نفس اليهود . وبعد أن قالوا عن رسول اللّه إنه يفترى الكذب تحداهم الحق أن يأتوا بمثل القرآن ثم نزل بهم إلى أن يأتوا بعشر سور من مثله ثم إلى أن يأتوا بمثل سورة واحدة من أقصر سوره . إذن ، فالافتراء وارد عليكم أيضا ، فكما أن محمدا افترى فيمكن أن تفتروا أنتم كذلك فيما نبغتم وتفوقتم فيه من أساليب البلاغة . إن القرآن قد تحداهم وما دام قد تحداهم فإنه معجزة ؛ لأن الأصل في المعجزة التحدي ، ويتحداهم اللّه أن يأتوا بسورة من مثل سور القرآن فلا يستطيعون ، إنه يتحداهم في أمر اللغة ، وهم سادة اللغة وهم النابغون فيها .
جاء القرآن ليتحداهم في مجال نبوغهم ، ولكنّ بعضا من العرب طالب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمعجزة حسية كونية يرونها . وأعماهم الحمق عن معرفة أن المعرفة الحسية موقوتة التأثير ، من يراها يقول إنها معجزة ، ومن لم يرها قد يصدق وقد يكذب . ونحن - المسلمين - لا نصدق المعجزات الحسية إلا لأن القرآن أوردها ؛ ولأن القرآن قد جاء للناس كافة ؛ لذلك لم يكن من المعقول أن يكون المنهج الخاتم منفصلا عن معجزة النبي الذي جاء به .
جاء القرآن - إذن - معجزة لرسول اللّه وهو آية معنوية دائمة أبدا بما فيه من أحكام ونظم ، وآيات كونية وقضايا علمية ، وإذا كان الخلق يختلفون في اللغات فما تضمنه القرآن من معجزات لن تنقضى عجائبه إلى يوم القيامة . وكل يوم نستنبط من آيات اللّه معجزات جديدة تخرس كل مكذب ، لأنها معجزات كونية ، ومن العجيب أن بعض الذين يستنبطونها ليسوا من المسلمين ، ولا هم من المؤمنين بالقرآن .
ولكنّ بعضا من المشركين لم يكتف بالقرآن على أنه آية ومعجزة دالة على صدق الرسول ، وطالبوا بمعجزة حسية . فهل كان ذلك الطلب للآية حقيقيا يرجون من ورائه معرفة الحق والإيمان به أو كان مجرد سبب يختفون وراءه حتى لا يؤمنوا ؟ إن كان
تفسير الشعراوي — صفحة 3605
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٦٠٥