فيه وسعيا إليه ، ولذلك لا تؤدى حواسه مهامها بانسجام ، وكأن الذين يسمعون ولا يستجيبون هم من الموتى . فالأمر - إذن - ليس مقصورا على السمع بل المطلوب أن يكون هناك سماع انفعال بالمسموع وانصياع له ، ولا تظن أن اللّه يعجز عن أن يجعل الذي لا يسمع سماع طاعة يهتدى ويستقيم ، فلا شئ ولا كائن يتأبى على اللّه ؛ لأنه سبحانه يحيى الموتى .
وما دام هو سبحانه يحيى الموتى فهو لا يطلب إيمانا جبريا . إنما يطلب إيمان الاختيار والاقتناع ، وهو سبحانه لو شاء لأنزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ، وسبحانه يطلب قلوبا لا قوالب . إذن فالذين يستجيبون لداعى الإيمان هم الأحياء حقا ، أما الذين لا يستجيبون فهم في حكم الأموات ، وهم من بعد موتهم وانتهاء حياتهم سيبعثهم اللّه ليسألهم عن أفعالهم في الحياة الدنيا . وعندما يرجعون إلى اللّه سوف يجدون الحساب . ونعلم أن المرجع أخيرا ودائما إلى اللّه . ومن يرجع إلى اللّه وعمله طيب يتعجل الجزاء الطيب ويتشوق ويتشوق إليه ، أما من يرجعه اللّه قهرا فهو يخشى الجزاء الأليم .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 37 ]
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 )
إن اللّه سبحانه يوضح لنا مواصلتهم للجدل ، وطلبهم لآية ما . والآية هي الأمر العجيب الذي يبعثه اللّه على يد نبي ليثبت صدقه في تبليغه عن اللّه . وكأنهم لا يريدون أن يعترفوا أن القرآن آيات بينات على الرغم من اعترافهم بعظمة القرآن ، فقد قالوا :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 )
( سورة الزخرف )