يَقُولُونَ »
أي إنك يا محمد لا بد لك أن تعلم أن أقوالهم هذه ليست متعلقة بك ؛ لأنك - بإجماع الآراء عندهم - أنت الصادق الأمين . وهم إنما يكذّبون بآياتي التي أرسلتها معك إليهم ؛ لأن ماضيك معهم هو الصدق والأمانة ، بدليل أن الكافر منهم كان لا يأمن أحدا على شئ من أمواله ونفائسه إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . والإنسان لا يغش نفسه فيما يخصه . فكأن اللّه يريد أن يتحمل عن رسوله ؛ لأن من يوجه إهانة للرسول إنما يوجهها للمرسل له وهو اللّه جلت قدرته .
ولذلك يقول الحق :
« قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ »
وسبحانه يبين لنا أن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم كان حريصا أشد ما يكون الحرص على أن تستجيب أمته لداعى الحق ، حتى يتأكد لدى المؤمنين قول الحق سبحانه وتعالى في رسوله :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 128 )
( سورة التوبة )
ولا معنى للحرص إلا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحب ألا يفلت أحد من قومه عن منهجه وعن دينه . ولكن الحق سبحانه وتعالى جعل أمر الدين اختياريا حتى يعلم من يجئ له طواعية ويقدر ألا يجئ ، ومن لا يجئ وهو قادر أن يجئ .
إن الحق سبحانه وتعالى له سنن كونية في الكون يجريها على كل الخلق . وقد يتساءل قائل : وما الذي يجعل الحق سبحانه وتعالى يترك للكفر به مجالا في دنياه ؟
ولماذا يجعل الحق سبحانه وتعالى للشر مجالا في دنياه ألا يحكمها بهندسة حكيمة ؟
ونقول : لو لم يوجد للشر مضار تفزّع الناس لما عرفوا للحق حلاوة . إذن فوجود الشر ، ووجود الكفر ، وآثار الكفر في الناس جبروتا وقهرا واستذلالا ينادى في الناس أنه لا بد من الإيمان ، وأنه لا بد من وجود الخير . فلو لم يكن للشر مكان في الكون فما الذي يلفت الناس إلى الخير ؟ ولذلك تجد أن هبات الإيمان عند المؤمنين لا تأخذ فتوتها إلا حين تجد قوما من خصوم الإيمان يهيجون المؤمنين ويؤذونهم ويستفزونهم .
أما إذا صارت الدنيا إلى رتابة فربما فتر أمر الإسلام في نفوس المسلمين . ولذلك نجد المؤمنين باللّه في غيرة دائمة ؛ لأن هناك من يكفر باللّه . فيقول لرسوله :
« قَدْ نَعْلَمُ