تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3592

مساهمون:

ص٣٥٩٢
لغيرك ؛ ذلك أن أغيار الحياة ستمر عليك وقد تصير قوتك إلى ضعف ، وتأمين الإنسان لضعفه إنما يكون بإخراج الزكاة للضعيف ، ومساعدته ومعاونته في كل ما يحتاج إليه ، ونجد غير المؤمنين وقد أخذوا فكرة التأمين من الزكاة ، فأنت تدفع للفقير زكاتك لتؤمن نفسك كمؤمن ، وهم أخذوا هذه الفكرة ليحولوها إلى تأمين على الحياة ، وبذلك تدخلوا في قدر اللّه . لكن الحق أراد بالزكاة أن يطمئن المجتمع كله لا أن يطمئن من يؤمن على نفسه فقط . ونعلم أن الذي يخيف الإنسان ويجعله يكدس المال ويجمعه ويكنزه هو الخوف من الضعف ، لكن لو أعطى الغنى بعضا من المال للفقير لأشاع الاطمئنان في نفسه ونفوس الضعفاء . والذي يجعل الناس تلهث في الحياة للادخار لأبنائها هو عدم اقتناعهم بالتكافل الاجتماعي الذي شرعه الإسلام . وهم يرون اليتيم وهو يضيع في المجتمع ، لكن لو آمن الناس في المجتمع بالتكافل الاجتماعي لوجد كل يتيم أبوة المجتمع كله له . والإنسان الذي يلهث وراء الكسب من أجل أن يؤمن مستقبل أولاده قد يحول أولاده إلى يتامى لأنه مشغول عن تربيتهم ، ولذلك يقول أمير الشعراء شوقى رحمة اللّه عليه :
ليس اليتيم من انتهى أبواه من * هم الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقَى له * أمَّا تخلت أو أبا مشغولا
إن على المجتمع أن يأخذ قضية الخير من قول الحق سبحانه :
« اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ » .
فكما أحيا الحق الأجسام بالروح التي نفخها في القالب الطيني فصار لها حس وحركة ، فهو قد أنزل المنهج أيضا روحا من عنده لترتقى به روح الحس والحركة ، حتى لا يصير الإنسان كالأنعام أو أضل سبيلا :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 32 ) ( سورة الأنعام )