تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3594

مساهمون:

ص٣٥٩٤
لكن الحق سبحانه وتعالى لا يريد خضوع أعناق ، وإنما يريد خضوع قلوب . إنه - سبحانه - يريد أن يأتي الناس طواعية واختيارا ليثبتوا الحب للخالق ؛ لذلك يقول الحق لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
« قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ »
وساعة نسمع : « قد » فلنعرف أن ما يأتي بعدها هو أمر محقق ، ويأتي ذلك إذا دخلت على الفعل الماضي فهي في هذه الحالة تأتى لتسبق أمرا تحقق ، ومرة تأتى للتقليل أو للتكثير إذا دخلت على الفعل المضارع الذي يدل على الحال أو الاستقبال ، فإذا كان العامل والمعمول بينهما ارتباط سبب . . فهذا للتكثير ، وإذا كان ظاهر الأمر غير مرتبط ارتباطا واضحا . . فهذا للتقليل . والمثال على الارتباط الذي يدل على التكثير هو قول القائل : قد ينجح المجدّ ؛ لأن المجدّ والنجاح مرتبطان ارتباط سببية ، ولكن قد يكون هناك حادث مفاجئ لأحد المجدين فلا يستطيع النجاح ، كأن يمرض يوم الامتحان ، ولكن احتمال الصحة أكثر من احتمال المرض فكانت للتكثير . والمثال على مجىء « قد » للتقليل هو قول القائل : قد ينجح الكسول ، أي أن الكسول قد ينجح بالمصادفة وبدون أسباب منطقية ، كأن يقرأ عددا من الدروس ليلة الامتحان فيأتي فيها الامتحان فينجح ، إذن ف « قد » إذا دخلت على الماضي تكون للتحقيق ، وإن دخلت على المضارع فهي للتكثير إن كانت منطقية الأسباب ، وهي للتقليل إن كانت غير منطقية الأسباب . ولكن كلنا يعلم أن علم اللّه هو علم أزلي ، ولا قوة ولا أمر يخرجان عن معلوم اللّه . إذن ف « قد » هنا للتحقيق وهي داخلة على الفعل المضارع ، فالحق أراد أن يبلغنا أنه علم أزلا بما حدث وجاء ب « قد » لنستحضر صورة الفعل :
« قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ » .
والحزن هو خروج النفس من سياق انبساطها ؛ فالإنسان يكون غاية في الاستقامة والسرور عندما يكون كل جهاز من أجهزته يؤدى مهمته ، فإن حدث شئ يخل بعمل أحد الأجهزة فذلك يورث الحزن . أو يكون الحزن انفعالا لمجىء وحصول أمر غير مطلوب للنفس . لقد كان مطلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يؤمن كل الذين استمعوا إلى البلاغ عنه ، لكن البعض قاوم الإيمان ، والبعض اتهم الرسول بالسحر أو الجنون أو قول الشعر ، وها هو ذا الحق يسلى رسوله فيقول :
« قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي