تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3588

مساهمون:

ص٣٥٨٨
هكذا تكون الحياة بالنسبة لمن يقف عند وصفها على أساس أنها
« الْحَياةُ الدُّنْيا »
إنها لا تزيد على كونها لهوا ولعبا . واللعب - كما نعلم - هو مزاولة حدث ونقضه في آن واحد ، والمثال على ذلك الطفل على شاطئ البحر قد يقيم بيتا من الرمال ثم يهدمه ، إنه لم يقم ببناء بيت من الرمال إلا ليهدمه . واللعب عملية يقصد بها قتل وقت في عمل قد ينقض ، فالبناء والنقض في هذه الحالة لعب ولا يشغل اللعب الإنسان عن الواجب . أما اللهو فهو قتل الوقت في عمل قد ينقض ويشغل الإنسان عن الواجب أيضا . والطفل الصغير - على سبيل المثال - يتلقى من والديه بعض اللعب ليقضى وقته معها وقد يخربها ويهدمها وقد يعيد بناءها . ولعب الطفل هو لهو في الوقت نفسه ؛ لأن الطفل غير مكلف بواجب . وما إن يدخل إلى المدرسة وتصير لديه بعض من المسئوليات نجد الأسرة تعلمه أن يفرق بين وقت أداء مسئولياته ووقت اللعب ؛ لأنه إن لعب في وقت أداء المسئوليات صار لعبه لهوا ؛ لأنه شغله عن أداء مسؤولية مطلوبة منه . وكذلك الحياة الدنيا مجردة من منهج الذي خلقها وخلق الإنسان فيها هي لهو ولعب ، أما إن أخذ الإنسان الحياة بمواصفات من خلقها فهي حياة منتجة للخير في الدنيا وفي الآخرة . والذي خلق الحياة الدنيا جعلها بالنسبة لنا مزرعة للآخرة . والمؤمن - إذن - له حياتان : حياة صلاح في الدنيا ، وحياة نعيم في الآخرة ؛ لأنه يعيش الحياة الدنيا على مراد من خلقه . ومن العجيب أن من خلقنا لم يكلفنا إلا بعد أن يصل الإنسان منا إلى البلوغ ، أي أن يكون الإنسان صالحا لإنجاب إنسان مثله إن تزوج . ويأتي التكليف متناسبا مع النضج وعند تمام العقل . وسمح الحق لنا أن نلعب في سنوات ما قبل النضج ، ولكن لا بد أن يكون مثل هذا اللعب تحت إشراف من الكبار حتى نمكن للعب أن يتحول إلى دربة تفيدنا في مجالات الحياة ، ويجعلنا نعرف كيف وصلنا في العصر الحديث إلى درجة من التقدم في صناعة اللعب التي يتعلم منها الطفل ، ويمكن أن يقوم بتفكيكها وإعادة تركيبها ، وحتى الكبار نجدهم في زماننا يتعلمون قيادة السيارات في حجرات مغلقة وأمامهم شاشة تليفزيون ؛ وكأنهم في طريق حقيقي وفي شارع مزدحم بالسيارات ، ومن يتقن هذا التدريب العملي يخرج إلى قيادة السيارة .
تفسير الشعراوي — صفحة 3588 | محمد متولي الشعراوي