تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3586

مساهمون:

ص٣٥٨٦
والذين كفروا ، كان كفرهم وتكذيبهم موصلا إلى الخسران ، فمجىء الساعة بغتة ليس هو نهاية المطاف ، ولكنه وصول إلى أول الخسران ؛ لأن خسرانهم لا ينتهى من فور مجىء الساعة ، ولكنه يبدأ لحظة مفاجأة الساعة لهم . فهم يفاجأون بوقوع ما كانوا يكذبون به . ويعلمون جيدا أن ما صنعوه في الدنيا لا يستوجب إلا العذاب . وهنا تبدأ الحسرة التي لا يقدرون على كتمانها ، ولذلك يقولون :
« يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها » . .
أي على تفريطنا وإسرافنا في أمرنا وذلك في أثناء وجودنا في الدنيا . وبذلك نعرف أن عدم التفريط في الدنيا والأخذ بالأسباب فيها أمر غير مذموم ، ولكن التفريط في أثناء الحياة الدنيا هو الأمر المذموم ؛ لأنه إضاعة للوقت وإفساد في الأرض . إنني أقول ذلك حتى لا يفهم أحد أن الاستمتاع في الدنيا أمر مذموم في حد ذاته ، وحتى لا يفهم أحد أن الآخرة هي موضوع الدين ؛ لأن الدنيا هي موضوع الدين أيضا ، والجزاء في الآخرة إنما يكون على ألوان السلوك المختلفة في الدنيا ؛ فمن يحسن السلوك في الدنيا ينال ثواب الآخرة ومن يسئ ينال عقاب الآخرة . ولذلك لا يصح على الإطلاق أن نقارن الدين بالدنيا . إن علينا أن نعلم خطأ الذين يقولون : « دين ودنيا » فالدين ليس مقابلا للدنيا . بل الدنيا هي موضوع الدين . أقول ذلك ردا على من يظنون أن سبب ارتقاء بعض البلاد في زماننا هو أن أصحابها أهملوا الدين وفتنوا بما في الدنيا من لذة ومتعة فعملوا على بناء الحضارات . نقول : إن الإقبال على الدين بروح من الفهم هو الذي يبنى الحضارات ويثاب المصلح في الدنيا يوم الجزاء ، ولنا أن نعرف أن المقابل للدنيا هو الآخرة ، والدين يشملهما معا ؛ يشمل الدنيا موضوعا ، والآخرة جزاء . والذين يفتنون بالدنيا ولا يؤمنون بالآخرة هم الذين يقولون يوم القيامة :
« يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ » .
والأوزار المعنوية في الدنيا - وهي الذنوب - ستتجسم بحسيات وذلك حتى تكون الفضيحة علنية ؛ فمن سرق غنمة يبعث يوم القيامة وهو يحملها على ظهره ، ومن سرق بقرة يبعث يوم القيامة وهو يحملها على
تفسير الشعراوي — صفحة 3586 | محمد متولي الشعراوي